السلطة تواجه الأزمة النفطية بخطاب مزدوج
منذ لاحت بوادر الأزمة المالية في أعقاب تراجع أسعار النفط نهاية السنة الماضية، اجتهدت الحكومة عبر وزيرها الأول وطاقمه الوزاري، في التقليل من خطورة الوضع، بل حاولت أحيانا دحض كل التحليلات الاقتصادية التي رشّحت الجزائر لتدشين أزمة مالية عويصة، بفعل تضخم ميزانية الإنفاق العمومي، في شقي التجهيز والتسيير، مقابل اعتمادها شبه الكلّي على مداخيل الريع البترولي.
مرّت شهور حتى الآن على بداية التراجع الذي يلامس اليوم مرحلة الانهيار في سوق النفط العالمي، لتكشف الأرقام مدى تآكل احتياطي الصرف الذي طالما كان سند الحكومة في مواجهة منتقديها، ليتوقع الخبراء نزيفه بالكامل مع نهاية 2017 على أقصى تقدير، في ظلّ المعطيات القائمة حاليّا.
لكن اللافت في ردّ فعل السلطة تجاه الأزمة المفاجئة هو خطابها المزدوج، وربّما التناقض في مضمون رسائلها السياسية الموجهة للرأي العام، آخرها ما ورد في كلمة الوزير الأول مع الولّاة، وهو يحث الجزائريين على الصبر، بينما هو نفسه ما فتئ يطمئن المواطنين بقدرة الحكومة على صناعة المعجزة، بل في ذات المقام، فتح الرجل النار على المختصين الذين رسموا صورة قاتمة لمستقبل البلاد، واصفا إياهم بباعثي “اليأس والقنوط في النفوس“!.
كان مقبولا نهاية 2014، أن نتفهّم تعمّد الحكومة عدم الحديث عن الأزمة والتقشف وشدّ الأحزمة، أمّا وقد وقع الفأس في الرأس، فلم يعد أجدى من الصراحة شيء، فهي منتهى الراحة، كون الاعتراف بواقع الحال، هو بداية الطريق الصحيح لتجاوز الوضعية المؤرقة، أو التخفيف قدر المستطاع من تداعياتها السلبية على مصالح البلاد وحياة العباد.
قد يقول قائل إن الحكومة تسوّق خطاب الأمل، لكنها تتصرف بمنطق الأزمة ومقتضيات الورطة، تفاديا لبثّ الرعب بين الناس، أو تكريس روح الانهزامية والفشل بين أفراد المجتمع، غير أنّ هذا التبرير يبقى حجة ضعيفة، لأنّ الأصل أن يتلاحم الشعب مع مؤسسات الدولة في مواجهة كل الأوضاع الطارئة، طالما كانت السلطات التنفيذية تمثّل خياراته الحرّة وتعكس إرادته الانتخابية، فهو مستعدّ أن يصبر معها وعليها في كل الأحوال، ومتهيئ لدفع الضريبة والمغارم المستحقة، تعبيرا عن ثقته المطلقة في أصحاب القرار، ومقابل مغانم مأمولة بعد يسر سوف يعقب عسرًا، فهل هذه المعادلة بالذات، هي عقدة الحكم عندنا، لا أجزم بصحة الظنّ، لكن لا أجد تفسيرا غيرها، إلّا أن تكون هروبًا نحو الأمام، لشعب يعيش على شفا جرف هار، إلى غاية السقوط في درك الهاوية!
مشكلة الغموض والترنّح في المناطق الرمادية لا تقتصر على ممثّلي الحكومة، وهم مسؤولون في مواقع رسمية لهم حساباتهم السياسية والاجتماعية، لكن الأخطر أن يُحجم بعض الخبراء عن قول الحقيقة كاملة، ونعت الأشياء بمسمياتها الأصيلة، للبحث عن مخارج آمنة للنجدة والإسعاف، فمنطق المال والأعمال والاقتصاد لا يحابي أحدا، إذ كثيرا ما يصادفك من يبيع الوهم للشعب، طمعا في رضا السلطة، لكنه يتوعّدك بحلول الكارثة إذا اختليت به على انفراد!
القضية اليوم لدى المخلصين، ليست ساحة معركة للبقاء أو الخروج من الحكم، بل هي تحدّ وطني ورهان خطير يواجه المجتمع بكلّ مكوناته، سلطة ومعارضة ونخبة مستقلة، عليهم أن يتجنّدوا لإيجاد الوصفة الملائمة بكل أبعادها.