السودان يكسر الحصار
قبل أسبوع فقط من مغادرة الرئيس أوباما منصبه، وعلى غير انتظار.. واشنطن تقرر رفع عقوباتها الاقتصادية المفروضة على الخرطوم.. ذلك ما تلقاه وزير الخارجية السوداني هاتفيا من نظيره الأمريكي جون كيري، حيث أبلغه قرار إدارته رفع العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة في بادئ الأمر على السودان عام 1997، ومنها حظر تجاري وتجميد أصول الحكومة. وفرضت الولايات المتحدة المزيد من العقوبات في 2006 بسبب ما قالت إنه تواطؤ في العنف في دارفور.
وظهرت دلالات العام الماضي على تحسن في العلاقات بين الولايات المتحدة والخرطوم. وفي 20 سبتمبر/ أيلول رحبت وزارة الخارجية الأمريكية بجهود السودان لزيادة التعاون في مجال مكافحة الإرهاب مع الولايات المتحدة.. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية جون كيري في بيان آنذاك إن السودان اتخذ خطوات للتصدي لتنظيم الدولة الإسلامية و”جماعات إرهابية أخرى وسعى لمنع تحركها في السودان”.
لقد بلغ الحصار على السودان شأوا بعيدا بحيث أوقف عملية التنمية وصد كثيرا من حالات الاستثمار وضرب بعمق الأمن القومي للبلد، بما مثله من انتهاك لسيادته في دارفور بوجود قوات دولية لا حاجة لها في الولايات.. ورغم أن الدولة التزمت بكل ما أملي عليها في معاهدات أديس أبابا من التسليم بالتنازل عن جنوب السودان بانتخابات شكلية لتقرير المصير وقفت خلفها فرنسا والإدارة الأمريكية وحرمان السودان من ثرواته الطبيعية، لاسيما البترول الذي كان عاملا مهما من عوامل الصمود والبحث عن دور إقليمي مهم في إفريقيا، ظنا منهم أن هذه الخطوة إنما هي الأولى لتقسيم السودان إلى خمس دول، حيث كان من المتوقع حسب تقديرات الغربيين أن تلحق دارفور بجنوب السودان وكذلك كردفان وأقاليم أخرى، الأمر الذي يقضي على الأهمية الاستراتيجية للسودان.. حيث إن السودان رغم كل الإعياء لا يزال ملاذا للأفارقة الإثيوبيين والإريتيريين بالملايين، يعيشون في السودان عمالا وأصحاب حرف بسيطة.
كان واضحا أن الدولة تواجه تحديات عميقة داخليا وخارجيا؛ فعلى الصعيد الداخلي كان على الدولة ترميم أوضاعها بعد سنوات حرب قاسية استنفدت طاقات البلد وألقت بثقل اقتصادي كبير عليه في جوانب حياتية وبنية تحتية ترافق ذلك على الصعيد الخارجي بعقوبات متلاحقة من أوربا وأمريكا وأصدقائهم تحرم السودانيين من أبسط حقوقهم، حيث كانت تحويلات العاملين السودانيين في الخارج تمثل جزءا مهما من خزينة البلاد بالعملة الصعبة..
إلا أن العمل الدؤوب داخليا وإنجاز مشاريع كهرباء وجسور وبنية تحتية مهدت لكثير من المستثمرين الخواص فتح الباب أمام الاستقرار، وجاء الاستفتاء في ولايات دارفور ليقضي على وهم انفصال الإقليم وتكوين دولة تجد دعما لها من قوى إقليمية.
ومن هنا، يمكن القول إن رفع الحصار عن السودان وإلغاء العقوبات الأمريكية جاء بعد صمود السودان واستعصائه على التقسيم، وهكذا ينتهي فصل قاس من فصول التحدي لتنفتح أبواب أخرى من التحدي في بناء البلد والتطور والاعتناء بالحريات والتنمية والاستثمار.. وإن ما يمكن أن يكون بداية انفراج حقيقي سيحتاج من الدولة إلى تفاعل بانفتاح على الإقليم بتوازن سياسي وجعل الجانب الاقتصادي هو الأهم لدعم صمود الناس والسير في اتجاه تطوير المؤسسات والمنشآت العلمية والاقتصادية.. تولانا الله برحمته.