السيارة الماليزيّة ستكون معقولة التكلفة… وهذه تفاصيل الشراكة مع الحجار
استثمارات ليون بـ6 مليارات دولار… ومشروع “سيدار” سيرى النور في غضون 18 شهرا
ارتفاع المبادلات إلى 147 مليون دولار… وماليزيا تستورد منتجات الزراعة الجزائرية
“آسيان” ستفتح سوقًا للجزائر بـ600 مليون مستهلك… وأعيننا على السوق الإفريقية
هذه مزايا الرحلة المباشرة للجوّية الجزائرية… وقطاع الأعمال و”البزنس” سيستفيد
يكشف السفير الماليزي لدى الجزائر، ريزاني إروان محمد مازلان، عن ملامح مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، بين الجزائر وماليزيا، تقوم على استثمارات كبرى ومشاريع نوعية، تعكس تقارب الرؤى الاقتصادية بين البلدين.
ويقول سفير كوالالمبور في حوار لـ”الشروق” إن التعاون مع مركب الحجار بعنابة عبر مجموعة “ليون” الماليزية، يشكّل أحد أعمدة هذا التحول، مع العلم أن هذه المجموعة ستستثمر 6 مليار دولار في مجال الحديد والألمنيوم، إلى جانب مشروع آخر يتعلق بالسيارات للمتعامل الماليزي “بروتون” محل المفاوضات قيد الدراسة، والذي يُعوّل عليه ليكون بوابة صناعية نحو السوق الإفريقية ونقلة في تحويل التكنولوجيا وصناعة المركبات منخفضة التكلفة في الجزائر.
كما يبرز السفير أهمية إطلاق الرحلة الجوية المباشرة بين الجزائر وكوالالمبور ابتداء من 2026، لما له من أثر مباشر على تنشيط التجارة والسياحة والاستثمار، ويؤكد أن آفاق التعاون المستقبلي تشمل قطاعات واعدة كالصناعات الحلال، والمالية الإسلامية، والتكنولوجيا، والسياحة، مدعومة بانضمام الجزائر إلى اتفاقية آسيان، التي تفتح للبلدين فضاء اقتصاديا يتجاوز 600 مليون مستهلك ويؤسس لشراكة عابرة للقارات.
كيف تقيّمون اليوم وضع العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وماليزيا؟ وهل يمكنكم تزويدنا بأرقام دقيقة عن حجم المبادلات التجارية بين البلدين، إضافة إلى أهم المنتجات التي تستوردها ماليزيا من الجزائر وتلك التي تصدّرها إلى السوق الجزائرية؟
نحن نعيش مرحلة مثيرة للغاية في علاقات بلدينا، نشهد حاليا زخما حقيقيا في علاقاتنا الاقتصادية، مدفوعا برغبة مشتركة في استقطاب استثمارات جديدة، وإذا نظرنا إلى أرقام بداية سنة 2025، فإن النمو لافت، إذ قفزت المبادلات التجارية الثنائية بنسبة 56 بالمائة لتتجاوز 147 مليون دولار أمريكي.
تواصل ماليزيا تزويد الجزائر بزيت النخيل عالي الجودة، حيث ارتفعت الصادرات إلى 76 مليون دولار، لكن ما يبعث على الارتياح حقا هو رؤية المزيد من المنتجات الجزائرية تدخل السوق الماليزية، فقد قفزت الواردات الماليزية من الجزائر من 2.1 مليون دولار فقط إلى 39 مليون دولار في سنة واحدة، مدفوعة أساسا بمنتجات المحروقات، والمواد الكيميائية، والمنتجات الزراعية.
برأيكم، هل يعكس المستوى الحالي للمبادلات التجارية الإمكانات الحقيقية لكلا الاقتصادين، أم إن هناك فرصا كبيرة غير مستغلة لتعزيز العلاقات التجارية؟

بصراحة، نحن لم نبلغ سوى البداية، ورغم أن النمو الحالي مشجّع، إلا أنني لا أعتقد أن الأرقام الحالية تعكس بالكامل القوة الحقيقية لاقتصادي بلدينا، هناك إمكانات هائلة غير مستغلة في قطاعات مثل السياحة، والتكنولوجيا المالية، وصناعة الحلال العالمية والصناعة، هدفنا هو تجاوز التجارة التقليدية وفتح آفاق جديدة للنمو المشترك.
بالانتقال إلى الاستثمار، ما هو الحجم الحالي أو المتوقع للاستثمارات الماليزية في الجزائر؟ وما هي القطاعات ذات الأولوية بالنسبة للمستثمرين الماليزيين من حيث القيمة الاقتصادية والأهمية الإستراتيجية؟
نحن ننتقل من مرحلة مشاركة محدودة إلى مرحلة نشاط فعلي، فعلى سبيل المثال، تستعد مجموعة “ليون” للدخول بقوة في قطاعي الحديد والألمنيوم، وقد وقّعت بالفعل اتفاقا هاما مع مجمّع “سونارام” في شهر جوان الماضي لاستكشاف الموارد المنجمية الغنية التي تزخر بها الجزائر، كما احتفلنا بمحطة مهمة في أكتوبر 2025، حين افتتحت شركة “دي إيكس أن” الماليزية رسميا فرعها في الجزائر لتقريب منتجاتها الصحية من المستهلك الجزائري.
إضافة إلى ذلك، نعمل على تنويع استثماراتنا نحو قطاعي السيارات والمالية لضمان نمو مستدام، ففي ديسمبر 2025، قامت شركة “بروتون الدولية، بدراسة جدوى شاملة لتقييم فرص دخول السوق الجزائرية وإقامة شراكات محلية، ويدعم هذا الزخم أيضا توقيع عدة مذكرات تفاهم جديدة تركز على قطاعات استراتيجية مثل صناعات الحلال، والتكنولوجيا المالية، والصيرفة الإسلامية، ما يوفّر إطارا متينا للتعاون المستقبلي بين ماليزيا والجزائر.
في هذا السياق، سبق أن أشرتم إلى مشاريع كبرى في قطاع السيارات وقطع الغيار في الجزائر، أين وصلت هذه المشاريع اليوم، وهل يمكنكم تقديم تفاصيل أكثر حول موقع المصنع، وتكلفة الاستثمار، والآجال المتوقعة للتجسيد؟
نحن حاليا في مرحلة التحضير والدراسة، وكما ذكرت سابقا، قام وفد من شركة “بروتون” بزيارة الجزائر للاطلاع عن قرب على السوق، وفهم كل ما يتعلق بالتشريعات المحلية وتطلعات الدولة الجزائرية، وهم بصدد تحليل المعطيات التقنية من أجل بناء استراتيجية لا تكون مجرد استثمار عابر، بل قصة نجاح طويلة المدى.
وهنا أبلغك أن بروتون ترى الاستثمار في الجزائر كبوابة للسوق الإفريقية، لذلك وخلال زيارة ممثليهم للجزائر شهر ديسمبر الماضي التقوا مسؤولين، حاليا هم يدرسون الجانب التقني ويحثون عن شريك محلي وهي خطوة مهمة جدا، لم يتم لحد الساعة تحديد لا الموقع ولا حجم الاستثمار، لكنهم مهتمين جدا، ويريدون تواجدا قويا.
والشيء الذي لا يعرفه الكثيرون هو أن بروتون العلامة الوحيدة لتصنيع السيارات بالعالم الإسلامي، تأسست سنة 1985 وحققت نجاحا كبيرا، كانت مهتمة بالسوق الجزائرية سنة 2004، لكنها هذه المرة ستعود بشكل مختلف، عبر ضمان نقل لخبرة والتكنولوجيا، وتوفير مركبات يطلبها الجزائريون أنفسهم بسعر معقول مقارنة مع ما هو متوفر من علامات أخرى، كما سيتم توفير سيارات صغيرة للمدينة بتكنولوجيا عالية وكاميرات وشاشات رقمية وغيرها من المعايير التي سيكتشفها المستهلك الجزائري، مع العلم أن بروتون سبق وأسست فرعا للتصنيع بمصر السنة الماضية وتخطط حاليا لولوج السوق الجزائرية، لتكون بوابة نحو السوق الإفريقية.
من بين الاستثمارات المطروحة، تم ذكر اسم مجموعة “ليون” الماليزية، هل يمكنكم توضيح طبيعة مشاريعها في الجزائر، وحجمها المالي، ومتى يُتوقع تجسيدها ميدانيا؟
هذا مشروع محوري، فمجموعة “ليون” تدرس استثمارا بقيمة 6 مليارات دولار في قطاعي الحديد والألمنيوم، وهي حاليا في مفاوضات مع مركب سيدار الحجار بعنابة لإقامة مشروع مشترك، إنها شراكة مثالية، حيث توفّر الجزائر البنية التحتية واليد العاملة المحلية، بينما تجلب ماليزيا التكنولوجيا المتقدمة وأنظمة التسيير الحديثة.
ونحن حاليا بصدد إنهاء الاتفاق على هذا المستوى، وتحديد جدول عمل للشراكة، حيث إن المشروع سيستغرق بين 12 و18 شهرا للدخول في الخدمة وهذا حسب التراخيص والاتفاقيات.. ولا يخفى عليكم أن هذا الاستثمار ضخم جدا، فدول أخرى قد تستثمر عبر عدة شركات مبلغ مليار دولار، لكن ليون الماليزية لوحدها ستستثمر 6 مليار دولار.
تم الإعلان عن إطلاق خط جوي بين الجزائر وكوالالمبور ابتداء من سنة 2026 من طرف الخطوط الجوية الجزائرية، كيف ترون مساهمة هذه الرحلة في تعزيز المبادلات التجارية، وتدفقات الاستثمار، والسياحة بين البلدين؟
هذه الرحلة يُعد نقلة نوعية حقيقية، فبصفتنا عضوين في منظمة التعاون الإسلامي، كانت علاقاتنا الدبلوماسية دائما ممتازة، لكن هذه الرحلة الجوية تجعلنا أقرب من أي وقت مضى، لم تعد هناك حاجة للمرور عبر محطات عبور في الشرق الأوسط أي الدوحة، دبي أو أوروبا عبر إسطنبول، باريس وبالنسبة للطلبة ورجال الأعمال، فهذا يوفر وقتا ثمينا، كما يجعل من ماليزيا بوابة للجزائريين نحو جنوب شرق آسيا، هذه الربط الجوي سيوفر فرصا جديدة للسياحة والتجارة والتبادل الثقافي بين البلدين.
كما يمثل فرصة مهمة للطلبة الجزائريين الراغبين في الدراسة بماليزيا، من خلال تسهيل التنقل وتعزيز الوصول إلى نظام تعليمي عالمي المستوى، وعموما قبل فتح هذه الرحلة، قُدّر عدد السياح الماليزيين الذين زاروا الجزائر بين جانفي وسبتمبر 2025 بـ14 ألفا، ونتوقع أن يرتفع العدد بـ50 بالمائة بعد تدشين الرحلة.
تُعد ماليزيا رائدة عالميا في مجال المالية الإسلامية والصيرفة المتوافقة مع الشريعة، كيف يمكن للجزائر الاستفادة من التجربة الماليزية في هذا المجال، وهل هناك مشاريع أو شراكات قيد الدراسة؟
منذ إدخال المالية الإسلامية في الجزائر في نوفمبر 2020، لقيت إقبالا كبيرا من المواطنين، إذ يتجه عدد متزايد من الجزائريين نحو حلول مصرفية تتماشى مع قيمهم، ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في الطلب على القروض والخدمات المتوافقة مع الشريعة.
وهنا يمكن لخبرة ماليزيا الطويلة أن تُحدث فرقا حقيقيا من خلال شراكة داعمة، فمن خلال تقاسم سنوات من الخبرة في تصميم أدوات مالية متوافقة مع الشريعة، يمكن لماليزيا أن تساعد الجزائر على تطوير حلول عملية تلبي الاحتياجات اليومية، سواء لمساعدة أصحاب المؤسسات الصغيرة على الانطلاق أم لتوفير وسائل أفضل للعائلات لإدارة وحماية ثرواتها.
في قطاع السياحة، ما هي آفاق التعاون بين الجزائر وماليزيا؟ وهل توجد برامج أو اتفاقيات ملموسة تهدف إلى تعزيز تدفقات السياح والاستثمارات السياحية بين البلدين؟
أرى السياحة كأحد أكثر الجسور حيوية بين بلدينا، فهي ليست مجرد سفر، بل تبادل ثقافات وبناء صداقات دائمة، واحتفالًا بذلك، نظمت سفارتنا في نوفمبر الماضي لقاء خاصا لإطلاق حملة “زيارة ماليزيا 2026″، جمعنا فيه 70 شريكا من قطاع السياحة، من شركات طيران، ووكلاء أسفار، ووسائل إعلام، وكلهم متّحدون لجعل ماليزيا وجهة مفضلة لدى الجزائريين.
ويتزامن هذا مع الإطلاق المرتقب للخط الجوي المباشر بين الجزائر وكوالالمبور سنة 2026، ما ينسجم تماما مع حملة “زيارة ماليزيا 2026″، وسيكون هذا الربط ركيزة أساسية لدعم هدفنا الطموح المتمثل في استقبال أكثر من 35 مليون زائر، فمن خلال إلغاء عناء الرحلات الطويلة، يصبح الوصول إلى ماليزيا أسهل من أي وقت مضى، باعتبارها بوابة للجزائريين لاكتشاف جمال جنوب شرق آسيا.
وقد بدأ الاهتمام يتزايد بالفعل، فبين جانفي وسبتمبر 2025، استقبلنا أكثر من 14.600 زائر جزائري، وهو ارتفاع ملحوظ مقارنة بالسنة السابقة، وفي المقابل، ارتفع عدد الزوار الماليزيين إلى الجزائر بنسبة 30.5 بالمائة.
ومن خلال حملة “زيارة ماليزيا 2026″، نطمح إلى مشاركة روح بلدنا، وتنوعه الثقافي، وتراثه، وجماله الطبيعي، كما نعمل على إعداد عروض سياحية خاصة بالجزائريين تبرز الغابات الاستوائية، والشواطئ البكر، والإرث الثقافي الغني، وبهذه الرحلات المباشرة، نحن لا نُنمّي اقتصاداتنا فقط، بل نعزّز الروابط الإنسانية بين شعبينا.
في مجال التعليم العالي، تستقبل الجامعات الماليزية طلبة جزائريين والعكس صحيح، كيف يمكن توسيع هذا التعاون ليشمل البحث العلمي، والابتكار، ودعم الشركات الناشئة والمبادرات الريادية؟
لقد أصبح التعليم جسرا جميلا بين بلدينا، قائما على شراكة بدأت رسميا سنة 2016 عبر مذكرة تفاهم، وما بدأ كتعاون في البحث وتبادل الأفكار، تطور إلى مجتمع أكاديمي نابض بالحياة، وفي نوفمبر 2025، زار وفد من مؤسسة Education Malaysia Global Services إلى جانب ممثلين عن سبع جامعات ماليزية رائدة الجزائر، بهدف فتح آفاق جديدة أمام الطلبة الجزائريين، ومن خلال إبراز مزيج ماليزيا بين التعليم عالي الجودة، وتكاليف المعيشة المعقولة، والبيئة متعددة الثقافات، نأمل في استقطاب المزيد من الطلبة الجزائريين، كما نخطط لتنظيم معرض تعليمي كبير في 2026 للتعريف بالبرامج المتخصصة في التكنولوجيا والهندسة.
وهذه العلاقة هي طريق ذو اتجاهين، إذ يدرس حاليا نحو 50 طالبا ماليزيا في الجزائر، خاصة في مجالات الشريعة والعلوم الإسلامية في جامعات مرموقة مثل جامعة الأمير عبد القادر وجامعة الجزائر 1، ونحن سعداء برؤية هذا العدد في تزايد، حيث التحقت مؤخرا دفعة جديدة تضم 12 طالبا، هؤلاء الطلبة لا يكتسبون شهادات فقط، بل يبنون صداقات دائمة ويعززون التفاهم المتبادل بين ماليزيا والجزائر.
أخيرا، كيف تقيّمون أثر انضمام الجزائر إلى آسيان في تعزيز التعاون الاقتصادي مع ماليزيا، وما هي رؤيتكم لمستقبل العلاقات الثنائية في السنوات القادمة؟
لقد شكّل شهر جويلية 2025 محطة مفصلية في علاقاتنا، حين زار وزير الخارجية أحمد عطاف كوالالمبور لتوقيع انضمام الجزائر إلى معاهدة الصداقة والتعاون “تاك” لم يكن ذلك مجرد إجراء شكلي على هامش اجتماع آسيان، بل كان رسالة قوية تعكس عمق الصداقة، فمن خلال الانضمام إلى هذه المعاهدة، بنت الجزائر جسرا يربط شمال إفريقيا بجنوب شرق آسيا، وأرسلت إشارة واضحة للعالم بأن المنطقتين مستعدتان للتقارب أكثر من أي وقت مضى.
وبالنسبة للمؤسسات الجزائرية، يفتح هذا التعاون آفاقا واسعة، حيث تمثل ماليزيا بوابة مرحّبة نحو سوق آسيان الذي يضم أكثر من 600 مليون نسمة، ونرى انسجاما كبيرا بين الموقع الاستراتيجي للجزائر ومواردها الطبيعية الغنية، وريادة ماليزيا في صناعات الحلال، والسياحة، والبنية التحتية، ومن خلال توحيد هذه المزايا، نحن لا نتبادل السلع فقط، بل نبني ممرا اقتصاديا ديناميكيا يضع البلدين في موقع الريادة الإقليمية ويمهّد لمرحلة جديدة من التعاون بين شمال إفريقيا وجنوب شرق آسيا، فالجزائر يمكن أن تكون بوّابة ماليزيا للأسواق الإفريقية بينما تكون ماليزيا مدخل الجزائر للأسواق الأسيوية.