الشجرة التي تغطي الغابة…
لولا استحقاقه وأحقيته وجدارته بالتتويج، ولولا أن الجزائر بحاجة إلى مثل هذه الانتصارات في زمن الانكسارات لتمنينا لو أن توفيق مخلوفي لم يحرز الميدالية الذهبية في أولمبياد لندن وخرجنا من المشاركة دون “ماكياج” حتى ينكشف أمرنا وحال رياضتنا المريضة من زمان، وينكشف أمر المسؤولين والمشرفين على رياضتنا الذين لازالوا يكذبون ويختفون وراء انجاز فردي تحقق بفضل عزيمة خارقة لواحد من أبناء الجزائر العميقة وليس نتاج سياسة رياضية أو استراتيجية وطنية لتأهيل وتحضير أبنائنا.
ذهبية توفيق مخلوفي كانت بمثابة الشجرة التي تغطي الغابة… يختفي وراءها المشرفون على رياضتنا وبعض الطفيليين الذين يستغلون عرق وجهد أبنائنا ويحاولون القفز على الإنجاز دون أن يعلموا بأن أمثال مخلوفي يوجدون بالعشرات، بل بالمئات في الشوارع والنوادي والمدن الكبيرة والصغيرة، ولكننا لم نعطهم حقهم من الرعاية والاهتمام، ولم نوفر لهم أدنى شروط الممارسة والتحضير، ودون أن يعلموا بأن الجزائر برصيدها وقدراتها تستحق أكثر من ميدالية، وأبناءها قادرون على رفع كل التحديات لو أخذنا بأيديهم ووفرنا لهم أدنى الشروط..
الغابة فيها شجرة مخلوفي التي أثمرت بعزم الرجل وإرادته وطاقمه الصغير رغم أن المسؤولين كادوا أن يتسببوا في إقصائه عندما طلبوا منه المشاركة في سباق الـ800 متر، ثم الانسحاب بتلك الكيفية، والغابة فيها أشجار كثيرة أخرى غير مثمرة كان إخفاقها متوقعا، وأشجار أخرى لم تعد مثمرة مثلما كانت سابقا كالملاكمة بكل المواهب التي تزخر بها والجيدو الذي يتراجع كما ونوعا وتخفق فيه أمل الجزائر صورية حداد إخفاقا بدائيا كررته طيلة الموسم في دورات دولية، ولم تحفظ الدرس ولم تستغل قرعة كانت في مصلحتها للصعود فوق المنصة وهي التي لم تعد صورية التي كنا نعرفها قبل أولمبياد بكين بسبب إخفاقنا في تسيير نجاحها والاستثمار فيه مثلما أخفقنا في تصحيح الاختلالات والأخطاء!
الرياضيون الجزائريون المشاركون في لندن والغائبون من الغلابى والمساكين لا يمكن تحميلهم مسؤولية الغياب أو الاخفاق لوحدهم، لأنهم ذهبوا ضحايا جهل متفشٍ بقدرات أبنائنا وضروريات المستوى العالي، وذهبوا ضحايا صراعات هامشية وشخصية وانعدام الانسجام بين الوصاية واللجنة الأولمبية والاتحاديات والنوادي وكذا تفاهات بعض وسائل الإعلام التي انشغلت عن اكتشاف توفيق مخلوفي ومواهب أخرى عديدة تزخر بها رياضتنا، وراحت تخوض في أمور ثانوية ولا تتذكر الرياضات الأخرى إلا في المناسبات وعند التتويج أو الاخفاق..
التقييم الفعلي للمشاركة ووضعية الرياضة الجزائرية وتنظيف الغابة ورعايتها يقتضي إعادة غرس أشجار جديدة وسقيها بانتظام وإحاطتها بكل أسباب النقاء والصفاء دون أن ننسى بأن الاخفاق المستمر منذ سنوات سببه الرئيسي فشل في المنظومة الرياضية والإستراتيجية الوطنية التي لا تولي أدنى أهمية لقطاع الشباب والرياضة ولا تستثمر في الرياضة، بل تبحث عن استغلالها سياسيا وظرفيا عند التتويج مثلما نفعل مع ميدالية مخلوفي في وقت صارت الرياضة مشروعا وطنيا واجتماعيا في أكبر وأصغر البلدان على حد سواء.. في الصين وجمايكا وكوريا واليابان وغيرهم..
لا يمكن أن تحقق رياضتنا ورياضيونا نتائج جيدة في مستوى وطن من حجم الجزائر في وقت يعرف فيه المجتمع تراجعا كبيرا وتخلفا رهيبا في كل المجالات، ولا نقدر فيه على المحافظة على الأشجار المثمرة للغابة دون كهرباء ودون ماء ودون هواء نقي، ومن دون استثمار في القدرات التي نزخر بها في كل الرياضات وكل الأوقات وفي كل مكان من هذا الوطن الشاسع والغني بالثروات الطبيعية والمادية والبشرية..