الشرعية تصنع المستقبل.. والارتجالية تفكك الحاضر
كلّما مرت السنوات، وأحيانا الأشهر والأيام، كلّما تأكد لنا أن البلاد تسير بلا رؤية استراتيجية توجه مسارها المستقبلي تسمح للجميع بمعرفة بقية الطريق ومن ثم ما ينبغي لها القيام به أو عدم القيام به، وفي الوقت المناسب.. قطاعاتٌ مختلفة يتم تسييرها يوما بيوم، تعرف تحسّنا حيثما صادف وجود المسؤول الكفء والمسير القدير والنزيه، وقلّما هم، وتُسيّر بأسوإ الطرق وكيفما كانت الحال، وبكيفية ارتجالية في أغلب الأحيان إلى درجة أن أصبح مصير قطاعات استراتيجية مثل التربية أو الفلاحة أو الصناعة بين أيدي مجموعات قليلة تتحكم فيها كما تشاء، كل همها تسيير الحاضر كيفما اتفق، أما المستقبل فهو آخر الاهتمامات.
في غياب مؤسسات فاعلة، وقيادات شرعية على مستوى الهيئات والمؤسسات الوطنية، وانعدام خارطة طريق واضحة للمستقبل، يصبح تسيير البلاد تسييرا عشوائيا في أي قطاع من القطاعات. تبدو الأمور أنها تسير ولكنها في حقيقة الأمر هي متوقفة أو متقهقرة إلى الوراء بالنظر إلى ما يحدث في العالم من تطورات، ويسمح مثل هذا المُناخ العشوائي بالتصرف وفق زاوية النظر الضيقة للبعض وأحيانا وفق نزوات عابرة لدى هذا المسؤول أو ذاك. وكثيرا ما يربط بعض من يسعون إلى تمرير قرارات هي من صنع ميولهم الشخصية، يربطونها ببرنامج رئيس الجمهورية وكأنه البديل للدستور والمؤسسات التي ينبغي أن تقوم بدورها بفعالية وفي الوقت المناسب، مثل هذا المسؤول الذي نسب ما يتم الترويج له هذه الأيام من تدريس للعامية في مدارسنا إلى برنامج رئيس الجمهورية، في محاولة يائسة وضد المنطق لتبرير ما لا يُبرّر.
أو ذاك الذي في قطاع الصناعة أو التجارة أو السياحة أو غيرها من القطاعات يفعل ما يريد بنفس المبرر والحجة في غياب أي رقابة شعبية أو رسمية، حتى أصبحنا لا نلمس أن خلف القرارات المتخذة سياسات عامة مدروسة وذات بُعد مستقبلي واضح، فوزير التجارة يطرح مسألة تقنين بيع الخمور لأنه أراد ذلك، ومع وزير الصناعة يضعان شروطا جديدة لاستيراد السيارات ظنا منهما أن ذلك يخدم الاقتصاد الوطني، وأطراف في الحكومة تتحدث عن عفو جبائي يجعل التجار الذين كانوا “مفسدين” قبل اليوم في نظر القانون تجّارا “صالحين”، وأطراف أخرى تقترح صيغة رسمية “قانونية” لتبييض أموال الشعب المنهوبة بحجة مواجهة انخفاض أسعار البترول، والذين قاموا بتمرير قانون المالية التكميلي من غير المرور على البرلمان ضمنوه ما اعتبروه ـ بلا نقاش ـ أفضل إجابة لمواجهة العجز الكبير في الميزانية. حتى وإن لم يتمكّنوا بعد جُهدٍ جهيد وجعجعة كبيرة عن سياسة تقشّف مدروسة، من سوى تخفيض فاتورة الاستيراد بنحو ملياري دولار.
وهذا لا يعني أنه لا توجد كفاءاتٌ وطنية تعرف البدائل الأكثر نجاعة لرسم سياسات عامة قائمة على رؤية استشرافية واضحة المعالم، كما لا يعني أننا لا نملك حلولا لمشكلة انخفاض أسعار البترول، أو ليست لدينا القدرة لوضع مخطط بعيد المدى للخروج من التبعية المطلقة للمحروقات، وللتخلص تدريجيا من تبعات الاقتصاد الريعي، إنما يعني أننا نفتقد الشرعية الكافية المُنتِجة للمصداقية التي تمكن هذا المسؤول أو ذاك من طرح الحل الحقيقي الذي قد يحمل معه صعوباتٍ عند التطبيق أو يتطلب تضحيات حقيقية من قبل الجميع.
هنا تكمن مشكلتنا الأساسية ويكمن سبب عدم قدرتنا على صوغ مشروع مستقبلي للبلاد.
أي مشروع مستقبلي، في ظل حقائق اليوم، وتحديات الوضع الراهن، والتهديدات التي تواجه بلدنا، أو التي ستواجهها، يحتاج إلى أن يقوم به مسؤولون يمتلكون في ذات الوقت الكفاءة والشرعية المنتجتين للمصداقية وللثقة بين الحاكم والمحكوم القادرتين على ترك مجموع الناس يتبنون المشروع المطروح من قبل الحكومة مجتمعة أو من قبل أطراف فيها ويتفاعلون معه ويتحمّلون صعوبات تطبيقه.
من دون هذا يبقى كل حل جذري غير ممكن، وتبقى الحلول الترقيعية الغامضة، الخائفة من ردة فعل المجتمع، هي السيدة بما يعني من هروب مستمر إلى الأمام ورفض لمواجهة الواقع كما هو من دون تزييف للحقائق أو زرع للأوهام.
ولعل هذه المسألة هي التي ينبغي التنبيه إليها، والاستمرار في التنبيه، باعتبار أن هناك علاقة لازمة وغير قابلة للانفصال بين الشرعية وصوغ رؤية مستقبلية للبلاد. لا يمكن للثانية أن تتم من دون الأولى، ولا يمكن للأولى أن تتم من دون حل المشكل السياسي القائم في البلاد والمرتبط بحقيقة التمثيل الشعبي وبحقيقة مَن يُمثل مَن على أعلى مستويات الحكم.
هل يمكن لوزير يقنن لبيع الخمور أن تكون له شرعية شعبية؟ هل يمكن لوزيرة تريد فرض العامية على أبنائنا أن تفوز بأكثر من النسبة التي حققها مؤيدو بقاء الاستعمار في الجزائر عند استفتاء 1962؟ هل يمكن لكثير من وزراء اليوم أن يفوزوا بأغلبية أصوات الناخبين في أي انتخابات حرة ونزيهة؟ لا أعتقد ذلك. وأكاد أجزم أن مشكلتنا تكمن في هذا المستوى. كل ما حدث ويحدث في بلادنا أو سيحدث من أزمات لن يكون مرده إلا إلى انعدام الشرعية والخوف من الالتحام مع الشعب. ولن نتمكن مهما بذلنا من جهد على الصعيد التنظيري أو التفكير العملي، أو الاستشراف الاستراتيجي، من تحقيق أي تقدم ما دامت إشكالية الشرعية لم تحل، ومادام المسؤول يتصرف وكأنه وصي على الشعب، ويتربع على منصب وزاري أو تنفيذي أو تشريعي وهو يعرف أنه لم يحصل عليه بتزكية حقيقية من الشعب.
مادمنا لم نبدأ من حيث ينبغي أن نبدأ، أي بحل مسألة الشرعية، فكل جهودنا النظرية والعملية لصياغة رؤية مستقبلية لبلادنا ستذهب سُدى، ومهما كانت الرؤية المصوغة من قبل أكاديميين وطنيين أو بالاستعانة بخبرات أجنبية متماسكة، فإنها لن تعرف الطريق نحو التبني والتنفيذ مادامت لم تتم باسم أفراد يمتلكون الشرعية الكافية وقبلها الكفاءة والمقدرة.
إن الشرعية هي وحدها القادرة على صوغ المستقبل، أما الارتجالية فلن تزيد من سوى تفكيك الحاضر.