-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
كان يعد من مظاهر الوجاهة وحسن الضيافة

الشلّال… ذاكرة رمضان التي اختفت ولم يختف معها الكرم

ع. بوشريف
  • 302
  • 0
الشلّال… ذاكرة رمضان التي اختفت ولم يختف معها الكرم
ح.م

رغم تغيرات الزمن، ومتطلبات الأسرة الحديثة، والطلب المتزايد على كل ما هو عصري، خاصة ما تعلق بالأواني المنزلية، التي تعرف مع رمضان من كل عام إقبالا كبيرا من قبل العائلات، إلا أن ذلك لم يفقد بعض الأواني المنزلية التي كانت تُستعمل قديما حضورها، حتى وإن كان ذلك الحضور محتشما، إلا أنه يبقى حضورا يحمل في ثناياه عطر الماضي الجميل، ورائحة أيام زمان، عندما كان لحضور مثل هذه الأواني يحمل معه تلك الأصالة المتوارثة أبا عن جد، وبكل ما كان يحمله ذلك الحضور من قيم رمزية ذات بعد اجتماعي وأخلاقي وروحي.
من بين هذه الأواني التي لم تعد كثيرة الطلب لدى العائلات التلمسانية، على غرار باقي العائلات الجزائرية، إلا عند عائلات قليلة جدا لا تزال تحافظ على الإرث العائلي، نجد “الشلال” التلمساني أو “وضاية” كما هو معروف في أوساط العائلات القسنطينية، الذي كان حضوره في المنزل يشكل إحدى أهم الميزات ذات الخصوصية الحضارية والاجتماعية لما كان يعكسه من قيم متعددة، فقد كان حضوره غالبا ما يتزامن مع حضور “الضيف” إلى عائلة من العائلات، خاصة إذا ما حل شهر رمضان الكريم، أين كانت العلاقات الاجتماعية وصلة الرحم هي السائدة طيلة أيام الشهر الفضيل، أين كان يقدم “الشلال” مرفقا بالمنشفة قبل الأكل وبعده وعند الوضوء للضيوف، وذلك لرفع الكلفة عنهم وعدم إحراجهم، فيقومون بغسل أيديهم قبل الطعام وبعده. وكان يستعمل أيضا الشلال للوضوء، إذ كانت تعد هذه الآنية إحدى الأواني الأكثر حضورا، وغالبا ما كان رب البيت هو من يطوف بالشلال على الضيوف في إشارة تعكس أهمية الضيف والمقام الذي كان يحظى به في الوسط العائلي والاجتماعي.
وإذا كان “الشلال” قد ارتبط بحضور الضيف ومواسم الخير، فإن أهميته قديما لم تكن تقتصر على وظيفته العملية فحسب، بل تجاوزتها إلى مكانة رمزية رفيعة داخل البيت التلمساني. فقد كان يُعدّ علامة من علامات الوجاهة وحسن الضيافة، ودليلا على عراقة الأسرة وتمسكها بأصولها وتقاليدها. ولم يكن وجوده في المنزل أمرا عاديا، بل كان يُوضع في مكان ظاهر، يُعتنى به ويُلمّع بعناية، شأنه شأن القطع النفيسة التي تعكس ذوق أهل الدار ومكانتهم. كما كان استعماله من قبل ربّ البيت بنفسه يحمل رسالة تقدير واحترام للضيف، ويجسد قيما متجذرة في المجتمع، من قبيل الكرم، والتواضع، وصون كرامة الزائر. وهكذا تحول “الشلال” من مجرد آنية نحاسية إلى رمز اجتماعي وثقافي يعكس روح زمن كانت فيه التفاصيل الصغيرة تختزن معاني كبيرة.
لقد اقترنت عادة “الشلال”، هذا التقليد الاجتماعي، مع ظهور صناعة النحاس خلال الفترة الممتدة ما بين القرن الثالث عشر والسادس عشر، وتحديدا إبان الحقبة الزيانية، أين ازدهرت صناعة النحاس، وأبدع الحرفيون آنذاك في صناعة أواني الشلال بزخارف وأشكال جعلت من هذه الآنية سيدة المنزل التلمساني، بل ألهمت الكثير من الرسامين ممن أبدعوا في رسم “الشلال” في لوحات فنية خلدت هذه الآنية إلى يومنا هذا.
أما اليوم، وفي ظل التطورات العصرية وتسارع وتيرة الحياة، فإن غياب “الشلال” عن المنزل لا يعني مجرد اختفاء آنية تقليدية، بقدر ما يعكس تحولا عميقا في أنماط العيش والعلاقات الاجتماعية. فاختفت معه بعض الطقوس التي كانت تضفي على تفاصيل الحياة اليومية بعدا رمزيا خاصا.
غيابه لا يعد تراجعا لحضور بعض المظاهر المادية للهوية التراثية داخل البيت، حتى وإن لم تعد الأولوية للرمز بقدر ما أصبحت لأمور عملية وسريعة تجسد روح العصر. ومع ذلك، فإن اختفاءه لا يعني بالضرورة اندثار القيم التي كان يجسدها؛ فالكرم، واحترام الضيف، وروح التكافل، لا تزال قائمة، لكنها تُمارس اليوم بأشكال مختلفة تتلاءم مع العصر.
وهكذا، فإن غياب “الشلال” عن المنزل هو في جانب منه علامة على تغير الوسائل، لا بالضرورة تغير المعاني، لكنه يبقى بالنسبة للكثيرين فقدانا لقطعة من الذاكرة الجماعية، وحنينا إلى زمن كانت فيه الأشياء البسيطة تختزل روح البيت وأصالته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!