-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الشهادة مقابل الشهادة

عمار يزلي
  • 63
  • 0
الشهادة مقابل الشهادة

لم يعد الجيل الحديث من جيل الاستقلال يتذكر كثيرا حتى عن الجيل الجديد لما بعد الاستقلال قصص بطولات وأمجاد الآباء والأجداد إلا قليلا، ولم يعد طلاب الجيل الحالي يسمعون كثيرا عن تضحيات الجيل المؤسس للنضالي الطلابي الجامعي وفي الثانويات، يوم كان الخيار بين شهادة التخرج وشهادة الوفاة سيان، كما ورد في بيان الإضراب ومغادرة مقاعد الدراسة الذي صدر عن الطلبة الجزائريين في 19 ماي 1956، وإعلانهم الالتحاق بصفوف الثورة، عبر هذا الشعار التاريخي غير المسبوق: “الشهادات الجامعية لن تصنع منا أفضل الجثث”.

19 ماي 1956، الذي صار فيما بعد رمزا وذكرى من الذاكرة، خلِّد بعد الاستقلال بأن أصبح يوما وعيدا وطنيا للطلبة، ولكن أيضا للجزائريين والجزائريات جميعا، لاسيما إذا علمنا أن عدد الطلبة الجامعيين حاليا بلغ 1.7 مليون طالب، وأن ما مرّ على الجامعة من طلبة منذ الاستقلال إلى اليوم، يعدّ بالملايين، حتى وإن لم توجد إحصائيات بذلك. يكفي أن نشير إلى أنه بعد الاستقلال مباشرة، لم يكن عدد الطلبة يتعدى 3 آلاف طالب. هذا العدد ظل يرتفع سنويا نسبيا خلال الستينيات ليصل إلى نحو 110 طالب سنويا بين 1970 و1985، ليتجاوز عتبة نصف مليون طالب سريعا ما بين سنتي 2000 و2005، ثم ليقفز إلى نحو 1.7 مليون طالب ما بين 2020 و2026. هذه الأرقام ظلت تسجّل سنويا خلال كل فترة، مما يجعل عدد الجزائريين الذي التحقوا بالجامعات منذ الاستقلال إلى اليوم يعدّ بالملايين.

هذه الأرقام ليست أرقاما من فراغ، حتى وإن بدا اليوم من يُنقص من قيمة العدد وحتى من قيمة القيمة المضافة نفسها، التي قدّمها الرعيل الأول، جيل 1945ـ 1962، جيل المقاومة والانتفاضات والنضال السياسي من أجل الاستقلال، وجيل ما بعد 1962، جيل البناء والتشييد، وإعلاء أسس الدولة الوطنية التي كانت بحاجة إلى كوادر في كل المجالات. الرعيل الأول، كان المؤسس ونواة إطارات الجزائر العليا والمتوسطة من أطباء ومهندسين وأساتذة ومسيّرين إداريين وقيادات سياسية وحزبية وعمالية وديبلوماسية ووزارات وإطارات الدواوين الإدارية وولاة وقضاة وغيرهم من كل الأسلاك. هم الذين وضعوا الحجر الأساس لبناء الدولة الوطنية، وهم الذين بنوا ما خرّبه الاستعمار وما تركه فارغا، رغم كل الصعاب وأثر الاحتلال في كل دواليب الاقتصاد ومؤسسات الدولة.

لم يكن الطلبة الجزائريون، ومنهم طلبة الثانويات، مجرّد أداة تسيير بل أداة تفكير تقني وسياسي وعلمي واقتصادي ونضالي أيضا، ذلك أن النضال السياسي لم ينقطع وبقي رابط العلم والسياسة والنضال رابطا موضوعيا ووظيفيا وبنيويا، مهما كانت الإخفاقات السياسية أحيانا والنجاحات أحيانا أخرى، كون المتخرج من مدرسة أو ثانوية أو جامعة الثورة، لم يكن مجرد قطعة غيار في ماكينة إدارية جديدة، بل أداة تفكير أيضا: يفكر في التعريب والجزأرة والتحديث والأصالة مع المعاصرة ويربط الماضي بالحاضر تفكيرا في المستقبل. لم يكن الأمر سهلا دائما، فقد كانت التحديات أكبر، والواقع أعقد.

اليوم، ونحن نرى كل هؤلاء المتخرّجين من الجامعات، وكل هؤلاء الدارسين من طلاب وتلامذة، إطارات الغد، لا ينبغي أن ننسى القواعد التي تأسست عليها البلاد، بطلابها وعمّالها وفلاحيها وكل فئاتها رجالا ونساء، في أحر سنوات الجمر.

19 ماي اليوم، لا ينفصل عن ثورة الطلاب أمس، فلكل رهانه الزمني، وللكل غاية لكن الهدف واحد: الارتقاء بالعلم والمعرفة في بناء الدولة الوطنية، مهما كانت الصعاب والمثالب والاخفاقات، فالتصحيح يأتي من الممارسة والعمل لا من الاتكال والسهولة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!