الشيخ “الددّو” ومصيبة وفاة النبيّ
لغط كبير أثير على مواقع التواصل الاجتماعيّ، في الأيام الماضية، حول كلمةٍ للشيخ العلامة “محمد الحسن ولد الددو”، أصرّ متصيّدو العثرات أن يحملوها على محمل سيّئ بلغ ببعضهم إلى حدّ اتّهام الشيخ بالإساءة إلى جناب النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- والتشكيك في كمال الدّين وتمام البلاغ! رغم إمكان حمل كلام الشيخ على محمل حسن بالنّظر إلى سياق الكلام، وباستصحاب سابقة الشيخ وما يعرف عنه من توقيره للجناب النبويّ وذوده عن حياض الدّين في وجه الحملات المغرضة التي تستهدف وجوده وتشكّك في صلاحيته لهذا الزّمان.
الشيخ “الددو” في كلمته التي استنفرت هواة التجريح، كان بصدد الحديث عن ستِّ نكبات –في تقديره- حرَفت الأمة عن مدارها، حيث بدأ بأوّلها قائلا: “النكبة الأولى كانت وفاة الرسول –صلّى الله عليه وسلّم والوحي أشدّ ما يكون تتابعا، والنبي –صلّى الله عليه وسلّم في أوج قوته ونشاطه، ليس في وجهه وشعره 20 شعرة بيضاء، ولم يكتب لنا دستورا، ولم يبين لنا طريقة اختيار الحاكم ومحاسبته وعزله، ولم يعين لنا حاكما معينا، فكانت أزمة ارتدّ بسببها جموع المسلمين عن الإسلام. كان رجال هذه الأزمة المهاجرون والأنصار، اجتمعوا على بيعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، ثم اجتمعوا على بيعته في المسجد البيعة العامّة. لم يستطيعوا أن يرجعوا إلينا النبوّة، لأنّها غير مكتسبة، وقد ختمت النبوّة بمحمّد –صلّى الله عليه وسلّم- لكنّهم استطاعوا أن يوجدوا لنا أحسن بديل بعد النبوّة، نزلوا درجة أقلّ من النبوّة، لكن هي أحسن شيء بعد النبوة، وهي الخلافة الراشدة على منهاج النبوة”.
ليس ممتنعا أن يخطئ الشيخ الددو التعبير وتخونه العبارة، فيقول من الكلام ما غيره أولى منه، أو حتى ما يعاتب به وينكر عليه، وقد استدرك بعض الأفاضل من الدعاة ومحبّي الشيخ عليه في كلمته، وتمنّوا لو أنّه لم يقلها بتلك الصيغة، لكن استدراكهم على الشيخ لم يحملهم على عيبه واتّهامه بالإساءة إلى الرّسالة وصاحبها –عليه الصّلاة والسّلام-، على عكس هواة التجريح والإسقاط الذين تذرّعوا بالكلمة لاتّهام الشّيخ بالضلال، وحتى بالزندقة وإضمار الكفر! وهذا ديدن هؤلاء المتربّصين بالعلماء والدّعاة والمصلحين، السائرين على نهج “ربيع المدخلي” في نصب المجانيق لإسقاط كلّ غيور على دين الأمّة ناصر لقضاياها منكر لتوجيه السهام إلى صدور العاملين لدين الله.. وقد سبق لهؤلاء المغرضين وأن جرّحوا الشيخ الددو، وجمعوا له مقاطع تذرّعوا بها لتضليله والتحذير منه، وتصنيفه صوفيا يتبرّك بالشيوخ تارة، وإخوانيا قطبيا يدور في فلك الإخوان تارة أخرى! وهو الشيخ المعروف بسلفيته المعتدلة ووسطيته بين التيار المدخليّ من جهة وتيار التكفير من جهة أخرى.
وإذا عدنا إلى كلمة الشيخ التي أدانه بها هواة التجريح، ومع شيء من حسن الظنّ نفهم أنّه أراد القول إنّ أصعب امتحان وضعت الأمّة أمامه في تاريخها هو امتحان وفاة النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- في ذلك الوقت بالذات، بالنظر إلى آثاره وما ترتّب عنه من ردّة جموع كبيرة من المسلمين، وهو امتحان عسير حقيقةً بالنظر إلى أنّ النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- لم يعيّن خليفة من بعده ولم يحمل المسلمين على طريقة محدّدة للاختيار والتوافق وحلّ النزاع في حال حصوله، وإنّما ترك الأمر لاجتهادهم ضمن الإطار العامّ الذي رسمه القرآن للشّورى.. وإذا كان النّجاح في هذا الامتحان شبه مضمون للمهاجرين والأنصار الذين تربوا في مدرسة النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- من قرب، فإنّه لم يكن كذلك لجموع كثيرة من المسلمين، لذلك كانت فتنة الردّة الواسعة، والردّة سببها أنّ نفوس كثير ممّن دخلوا في الإسلام في السّنوات الأخيرة -خاصّة في نجد وما حولها- ارتبطت بشخص النبيّ –عليه الصلاة والسلام- ولم تتهيّأ لقبول بشر آخر يخلفه، وهؤلاء هم من كان التحاق النبيّ الخاتم بالرّفيق الأعلى من دون أن يعيّن خليفة له، فتنة لهم، أمّا المهاجرون والأنصار فقد كانوا مؤهّلين ومهيّئين لدور حاسم في مثل ذلك الوقت، على الرّغم من أنّ المصيبة كانت ثقيلة على نفوسهم.
لو أراد الله –سبحانه- لأمدّ في عمر نبيّه حتى يبيّن للمسلمين –بالتفصيل- طريقة اختيار الخليفة أو يدلّهم على من يختارون من بعده، ويكشف لهم بؤر النّفاق والخلايا المتربّصة، فتكون وفاته اختبارا أقل صعوبة على المسلمين، ولكنّ الحكيم الخبير قضى أن يكون الاختبار بتلك الصعوبة لجيل عايش الوحي ورأى المعجزات، وكان فيه المؤمنون الصّادقون الذين تعلّموا في مواطن كثيرة، خاصّة في غزوة أحد التي أشيع فيها خبر وفاة قائدهم –عليه الصّلاة والسّلام-، تعلّموا أن يكون ولاؤهم الأوّل للحيّ الذي لا يموت، كما كان في ذلك الجيل أناس كثر من الأعراب دخلوا في الإسلام رغبة أو رهبة، وكان فيه منافقون أظهروا الإسلام ليكيدوا له من داخله، فكانت صعوبة الامتحان كفيلة بغربلة الصّفوف لتهيئة البقية الثابتة لمرحلة الفتوحات.
كبار الصحابة وفقهاؤهم، كانوا ينظرون إلى مهمّة اختيار الخليفة على أنّها سهلة ما دام القرآن قد وضع الأطر العامّة للحكم واختيار الحاكم، ويظنّون أنّ الأمر لن يكون بتلك الصّعوبة، خاصّة وهم يرون أمر الدّين –في ظاهر الحال- قد استتبّ في الجزيرة العربية، وما كانوا يتوقّعون أنّ المسلمين ستستشري بينهم الردّة بتلك الصّورة؛ تُوضّح ذلك واقعة حصلت أربعةَ أيام قبل وفاة النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-، في يوم الخميس الأخير له في الدّنيا، حين قال الحبيب –عليه السّلام- لمن حضره: “هلمّ أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده”، فقال عمر بن الخطّاب –رضي الله عنـه-: “إنّ النبي –صلّى الله عليه وسلّم- غلبه الوجع، وعندكم القرآن، فحسبنا كتاب الله”، في تلك الأثناء كان عمر يستلهم وصية النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- في حجّته –التي سميت بعد ذلك حجّة الوداع- بالقرآن الكريم، وما كان يظنّ أنّ وفاة النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- ستكون واقعا تفصلهم عنه أيام معدودة!
ولذلك حينما عاين عمر الواقع وفُجع بخبر وفاة النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- وبدأ يرى رؤوس أفاعي النفاق تنفث سمومها، لم يتمالك نفسه حتى قام يهدد ويتوعّد من يقول إنّ النبيّ مات، وقال –كما روى البخاري-: “والله ما مات رسول الله، (في زيادة في مواضع أخرى: ولا يموت حتى يَظهر دينُه على الدين كلّه)، وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم”، ولم يُوقِفه على الحقيقة المؤلمة إلا الصديق أبو بكر–رضـي الله عنه- حين قال: “ألا من كان يعبد محمدا –صـلى الله عليه وسلم- فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت”، وقرأ الصديق قول الله تعالى: ((إنك ميت وإنهم ميتون))، وقوله –سبحانه-: ((وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين)).
وهذه الرواية تدلّ على أنّ توقّع ما يكون بعد رحيل النبيّ –عليه الصّلاة والسلام- شيء، ومعاينة الفاجعة شيء آخر، كما تدلّ على أنّ الصحابة حينما عاينوا الوفاة أحسّوا بعظم المصيبة وبالحاجة إلى استمرار وجود النبيّ الهادي.. ولكنّ الله أراد للمهاجرين والأنصار أن يكونوا أسياد الامتحان الأعظم الذي تتعرّض له الأمّة، ليخلص اعتمادهم على الله، ويعطوا للأمّة الدّليل على أنّها أمّة اجتهاد ومواقف.
ولا شكّ أنّ من يقرأ المواقف بمعزل عن ظروفها وسابقة أصحابها، ربّما تسوّل له نفسه الطّعن في عمر بن الخطّاب –رضي الله عنـه- بذريعة أنّه كان يعتقد أنّ النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- لم يتمّ رسالته حين قال إنّ رسول الله لا يموت حتى يظهر دينُه على الدين كلّه وحتى يخلّص الأمّة من المنافقين.. بل ربّما يصل الطّعن إلى أبي بكر الصدّيق –رضي الله عنـه- بقوله: “من كان يعبد محمّدا، فإنّ محمّدا قد مات” الذي يفهم منه المغرضون أنّه تضمّن إساءة للنبيّ الخاتم –عليه الصّلاة والسّلام- وكأنّ أبا بكر كان يتحيّن تلك اللّحظة! وفعلا فإنّ الشّيعة يتبنّون هذه الاتّهامات الآثمة في حقّ الشيخين –رضي الله عنهما-، ومردّ ذلك إغفالهم للظّروف التي قيلت فيها تلك الكلمات وتغاضيهم عن سيرة الفاروقين –أبي بكر وعمر- قبل تلك الواقعة وبعدها!