الظلام لا يزعج الأعمى
الاستثمار الأجنبي غير مرغوب فيه في الجزائر: هذا هو الانطباع الذي كان يسود في البلاد منذ سنة، بعد القرارات التي اتخذها الوزير الأول أحمد أويحيى ليفرض مشاركة جزائرية في كل استثمار أجنبي. ومنذ ذلك الوقت، اتخذت الحكومة سلسلة من التدابير التي كانت تهدف كلها إلى إثارة وضع يجعل الاستثمار الأجنبي أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا
- وتكلم في الموضوع كل من يهمهم الأمر، سواء كانوا أصحاب ثروة أو دبلوماسيين أو خبراء. وتدخل صندوق النقد الدولي ليقول أن تلك التدابير زادت في تدهور الجو الاقتصادي في الجزائر، في حين قضت السفارات الأجنبية في الجزائر وقتا طويلا لمحاولة فهم تلك التدابير وأسبابها وأهدافها .
- وتزامنت تلك التدابير مع الصعوبات التي واجهتها الشركة المصرية “أوراسكوم”. فبعد مرحلة كانت “أوراسكوم” مدللة السلطات الجزائرية والفريق الوطني لكرة القدم، اكتشفت الإدارة الجزائرية أن الشركة المصرية لم تدفع ما عليها من الضرائب، وأجبرتها إلى التسديد… إضافة إلى كل الضرائب السابقة، فاضطرت أوراسكوم إلى دفع 580 مليون دولار في ظرف قصير جدا .
- وقال الخبراء يومها أن الجزائر قامت بتلك الخطوة في إطار “الوطنية الاقتصادية” التي تبناها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وقام بتطبيقها الوزير الأول أحمد أويحيى. وقال البعض أن الجزائر لن تكتفي بمنع الاستثمار الأجنبي من دخول البلاد، بل إنها ستذهب إلى أبعد من ذلك لتحاول أن تستولي على المؤسسات التي سبق لها وأن استقرت في البلاد .
- وجاء سياسيون بعدهم ليشرحوا ما يحدث. فقال البعض أن الجزائر لم تقبل أبدا الانفتاح الاقتصادي، وأن كل ما قامت به في هذا الاتجاه كان نتيجة للصعوبات التي عاشتها البلاد في التسعينات، مما دفعها إلى تطبيق بعض توجيهات صندوق النقد الدولي. وقال آخرون أن هناك كتلة في السلطة كانت معارضة لليبرالية الاقتصادية، لكنها كانت في موقف ضعف. وتكون هذه الكتلة قد عادت بقوة لتفرض نفسها، كما يدل على ذلك تراجع رموز الليبرالية من أمثال شكيب خليل وعبد الحميد تمار. وقال تيار ثالث أن الجزائر تريد العودة إلى اقتصاد الدولة لأن المسيرين الجزائريين لا يعرفون شيئا آخر. إنهم يعيشون في عالم بيروقراطي لا يعرف كيف يتعامل مع السوق، كما أن هذه البيروقراطية تخشى أن تضيع منها السلطة إن أصبح السوق سائدا في البلاد. ولذلك قررت البيروقراطية منع الاستثمار الأجنبي وحاولت الاستيلاء على الشركات الأجنبية الموجودة في البلاد، علما أن المؤسسات الجزائرية لا تعيش إلا بفضل مزايا البيروقراطية. ومن هنا جاءت مثلا محاولة شراء شركة “أوراسكوم الجزائر” ومنع شركة “أم تي أن” MTN من جنوب إفريقيا أن تتفاوض لشرائها.
- وفي هذا الوضع جاء إضراب الحجار الأسبوع الماضي. وكان الكل يتابع مجريات الأزمة التي شنها ما يقارب خمسة آلاف عامل احتجاجا على الإدارة التي عينتها شركة “أرسيلور ميطال” Arcelor Mittal . وكان الكل ينتظر كيف تتصرف السلطات الجزائرية تجاه الأزمة: هل يترك العمال يفرضون موقفهم، مما يوحي أن السلطات الجزائرية لا ترغب في بقاء “أرسيلور ميطال”، أم أنها ستدفع نحو انفراج يرضي الشركة الهندية ويعطي ضمانات للشركاء الأجانب؟ وكان الجميع يعتبر أن الامتحان مهم جدا.
- وجاء الجواب على صيغة لم يكن ينتظرها أحد. وقد أكد متتبعي الأزمة أن الإدارة لم تكتف بإرضاء “أرسيلور ميطال”، بل جندت كل آلياتها من أجل ذلك. وقد دفعت زعيم نقابة الحجار إلى الاستقالة، وجندت عبد المجيد سيدي سعيد ليضع حدا للإضراب، كما قامت العدالة بإصدار حكم يفتي بعدم شرعية الإضراب … وجاء هذا الانفراج لصالح الاستثمار الأجنبي، وكأن الحكومة تريد تصحيح أخطاء الماضي تجاه الاستثمار الأجنبي .
- لكن الأمور أكثر تعقيدا كما يقول أحد متتبعي الملف. ويرى هذا الخبير أن الحكومة تريد التخلص من مركب الحجار لأن تسييره معقد، ولذلك فإن التعامل معه يختلف عن باقي المؤسسات. ويبقى الغموض يسود مصير الاستثمار الأجنبي، ويبدو أن هذا الغموض يشكل العنصر الأساسي في استراتيجية الحكومة الجزائرية … ومعروف أن الغموض لا يزعج الأعمى …