العربي الجيِّد هو العربي الميت
سموها كيفما شئتم، لكنها هي حربٌ عالمية على العرب تحت عنوان كاذب اسمه محاربة تنظيم “داعش”، يشترك فيها اليوم قطبان بارزان: قطبٌ غربي بقيادة أمريكا وحلفائهم من الأكراد، وقطبٌ شرقي بقيادة روسيا وحلفائهم من الشيعة والعلويين، وبين القطبين ما يشبه التوافق المسبق على خطوط التماس التي لن يتعداها أي طرف قبل ترسيم حدود التقسيم القادم إلى المنطقة بالدم.
في تزامنٍ منسّق، انطلقت أربع حملات عسكرية متناغمة على الفلّوجة والرقة وحلب وسيرت الليبية، ليس هدفها الأول تخليص هذه المدن العربية من تنظيم إرهابي، بقدر ما يريد القطبان النصرانيان انتزاع الأرض من أيد اهلها العرب، وتسليمها لحلفائهم من الأكراد والشيعة والعلويين.
وفي الوقت الذي اعترفت فيه دولٌ غربية مثل فرنسا وبريطانيا رسميا بوجود قوّات خاصّة لها تقاتل مع قوات أمريكية كردية حول منبج وشمال الرقة، احتضنت طهران لقاءً تنسيقياً للحلف الثلاثي الروسي السوري الإيراني، قيل إنه لبحث تبعات التدخل الأمريكي الغربي في الشمال الشرقي لسورية، حتى وإن كان الروس قد عرضوا من قبل على الأمريكان دعمهم في مقاتلة “داعش” في الرقة.
ومن جهتهم، فإن الأمريكان المتواجدين بكثافة في جميع المعارك التي يخوضها الجيش العراقي والحشد الشيعي حول الفلّوجة، قد اقتنعوا أخيراً بالحاجة إلى قوات الحلف الروسي الإيراني لإلحاق الهزيمة بتنظيم “الدولة”، ولا يعارضون اليوم قسمة الكعكة العربية مع الروس وحلفائهم، وأن التحالف الروسي الإيراني لم يعد يهدِّد المصالح الغربية الرئيسة خاصّة بالنسبة لضمان أمن اسرائيل.
المواجهة لن تُحسم لا في أسبوع، ولا في ستّة أسابيع، أو بعد ستة أشهر، حتى مع تعاظم إنزال القوات البرية الروسية والغربية، ولن تُحسم المواجهة إلا بعد التدمير الكامل لأربع مدن عربية صرفة: الفلوجة والموصل والرقة وحلب، كما دُمِّرت تكريت والرمادي بالكامل، وليس هذا ما يقلق قوى الاستكبار، وهي المتحكِّمة في قرارات مجلس الأمن، ولا تقرأ ردّة فعل تُذكر من بقية الشعوب والدول العربية المتخاذلة.
خطّة التقسيم التي يكون قد توافق عليها الروس والأمريكان أضمرت مسبقا فرضية المرور بتطهير هذا الفضاء العربي من ساكنته العرب كشرط لإلحاق الهزيمة بـ”داعش”، ليس لأن التنظيم قد اقترف أعمالا إرهابية، هي في الواقع دون ما ترتكبه الدول المتحالفة ضد المدنيين العرب، بل لأنه ارتكب خطيئة رفع راية “الخلافة الإسلامية” حتى وإن قال بعضُهم إنها راية كاذبة، ذلك أنه لا شيء يُقلق اليوم أرباب النظام العالمي الفاشي من إشهار “الراية السوداء” التي اعتدت على أقدس مقدسات النظام العالمي المنظم بضرب الحدود التي صنعتها قوى الاستكبار، والتي لا تسمح لأحدٍ غيرها بتعديلها.
وما دامت الحملة الإعلامية الموجّهة قد نجحت حتى الآن في صرف بقيَّة العرب والمسلمين عن نصرة أهل هذه المدن العربية الشهيدة، ولم تسجِّل مظاهرة واحدة تستنكر الجرائم التي ارتكبها الأمريكان والروس وحلفاؤهم من الأعاجم، فإن خيار التطهير العرقي الشامل قد اتُّخِذ، وقد دخل حيّز التنفيذ، ولن يتوقف حتى يدمر هذا الفضاء العربي بمن فيه، وفي ذهنهم خوفٌ حقيقي من نشوء بديل لتنظيم “الدولة” يكون أكثر عنفا وخطورة، ولأن العربي الجيِّد عندهم هو العربي الميت.