“العيش” و”الحمّص” و”الدوبارة”.. من البيوت إلى المطاعم الشعبية
لم يكد شهر نوفمبر، يلفظ آخر نسمات خريفه، حتى كانت الثلوج والصقيع وخاصة البرد الشديد في الموعد، تطرق أبواب العائلات، وكلما قاربت درجات الحرارة الصفر مئوية، إلا وابتعد الناس عن الأكلات الخفيفة، من هامبرغر وبيتزا وما شابهها، عادوا أدراجهم إلى الأكلات الساخنة التي تمنح الجسم الحرارة المطلوبة، وجميعها من عمق الإرث الغذائي، الذي ذاع صيته في الآونة الاخيرة وصار مطلبا للموائد الجزائرية والأجنبية في كل بلاد العالم.
“العيش” و”الشخشوخة” من خزائن التراث إلى موائد الصقيع
تستعيد ولاية سطيف مع أولى موجات الثلج ذاكرة الموائد القديمة التي كانت تُعدّ الدرع الأول في مواجهة البرد القارس وفق طقوس شتوية لا تتغير. وبينما ترتدي الجبال عباءتها البيضاء، تُشعل نار المواقد في البيوت، وتُستعاد وصفات قديمة توارثتها الأجيال، فتفرض نفسها على الموائد كجزء من هوية المكان وروح المنطقة.
يرتسم المطبخ السطايفي كأحد أكثر المطابخ الجزائرية ثراءً وتنوعًا، حيث تتجاور فيه الأطباق الشعبية والنكهات التقليدية التي صمدت لعقود طويلة في ذاكرة الأجيال. وتزداد طقوسه بريقًا في المواسم والمناسبات، حين تعود روائح العيش أو البركوكس والكسكس والدوبارة لتملأ البيوت وتعيد للذاكرة صور الجدات وهنّ يُتقِنَّ خلط العجين وتسوية الحبات يدويًا بدقة لافتة.
وتكفي لمسة من السمن البلدي أو “الدهان” ورائحة التوابل الحارة لإيقاظ الشهية ورفع المعنويات، إذ تتجاوز هذه الأكلات مجرد كونها وصفات منزلية لتصبح جزءًا من الهوية المحلية التي تتوارثها العائلات جيلاً بعد جيل، وتصنع منها رمزًا للكرم والدفء ونكهة الحياة البسيطة في سطيف.
في إحدى زوايا حي الهضاب بسطيف، تتعالى رائحة “العيش” أو البركوكس من مطبخ السيدة آمنة بن طاهر، ربة بيت في الخمسينات من عمرها، والتي تُتقن هذا الطبق كما لو كانت تُعيد كتابة فصل من كتاب الذاكرة السطايفية. تقول وهي تقلب الحبات الصغيرة فوق قدر كبير: “في الأيام الباردة لا نستغني عن العيش الحار… هذي أكلة أجدادنا، تسخّن البدن وتجمع العائلة. وأنا أفضل تحضيره بالقديد والفرماس، لإضفاء نكهة تحرك المشاعر.”. ولا تخفي السيدة آمنة أن العيش بالنسبة لها ليس مجرد طبق، بل جلسة تتناغم فيها حرارة القِدر مع برودة الثلج خارج النافذة. تتابع بابتسامة وفخر:”الثلج لا يخيفنا، بالعكس مع موجة البرد، نضع القِدر لجلب الصغار والكبار، وكل واحد يعرف أن هناك جلسة دافئة في المنزل.”
وفي وسط المدينة، حيث تتراكم الثلوج على الأرصفة وتتعقد حركة المرور، يصطف الزبائن أمام محل الخيمة التي اشتهرت خلال السنوات الأخيرة بتقديم الأكلات التقليدية في موسم الثلوج.
يقول صاحب الخيمة وهو يرتب الأواني تحت حرارة الموقد:”من بداية الأسبوع والناس يطلبون الشخشوخة والفرمسة والزفيطي. البرد يدفع الزبائن للعودة إلى أكلات زمان. الأطباق الشعبية صارت طريقة لمقاومة البرد.” طبعا دون الحديث عن لذتها.
مائدة الثلج.. تعزز الطاقة وتفيد الجسم
وتنعكس هذه العودة على كامل الأحياء والقرى، من سطيف والعلمة وعين ولمان إلى بوقاعة وبوعنداس وعين عباسة وعين أرنات، حيث تنشط الجلسات الشتوية بينما تتصدر الشخشوخة والدوّارة وجبة الغداء. ويقول بعض المواطنين إن هذه الأطباق “تُشعل الدفء الداخلي” لأنها تعتمد على توابل قوية ولحم قديد أو دجاج بلدي، مع زيت الزيتون والفلافل.
خلف هذا المشهد التراثي، يقف رأي غذائي يفسّر سرّ هذا الإقبال. يوضح الدكتور عبد الرؤوف رحال، مختص في التغذية العلاجية، أن الأكلات التقليدية الشتوية “ليست مجرد عادات اجتماعية، بل استجابة طبيعية لحاجة الجسم”، ويضيف “العيش والشخشوخة والدوّارة أطباق غنية بالكربوهيدرات والبروتينات والدهون الحيوانية، ويفضل أن يكون مصدرها القمح الكامل، وهي عناصر ترفع حرارة الجسم وتوفر طاقة عالية لمواجهة البرودة. الجسم في الشتاء يحتاج أكلات ذات قيمة حرارية كبيرة، لذلك يميل الناس لهذه الأطباق.” كما يشير إلى أن إضافة المشمش المجفف والزبيب “تزيد من القيمة الغذائية للطبق، وتوفر مزيجًا من الطاقة والبروتينات والفيتامينات الضرورية في هذه الفترة.” وهي أكلات تتفوق بطبيعتها على الوجبات السريعة المنتشرة في المحلات، مثل البيتزا والهمبرغر والطاكوس، لأنها تُشبع بروحها قبل مكوناتها، وتقدّم للجسم دفئًا وفائدة بدل السعرات الفارغة التي تملأ المعدة سريعًا ثم تُتعب الجسد على المدى الطويل.
الشخشوخة تذيب الجليد على نار هادئة
ويشرح المختصون في علم الاجتماع، أن طقوس الأكل التراثي التي تعود بقوة مع موجة البرد، وتلعب دورًا اجتماعيًا يزداد حضورًا كلما اشتدت العزلة الرقمية داخل البيوت.
فحين توضع قصعة العيش أو البركوكس أو الشخشوخة في وسط الغرفة، ينتقل أفراد العائلة تلقائيًا من عالم الهواتف والشاشات الخيالية إلى عالم آخر أدفأ، حيث تعود ملامح الحديث المباشر والضحك العفوي والاستماع الحقيقي. هذه الجلسات كثيرًا ما تتحول إلى مساحة صلح بين الإخوة وأفراد العائلة الذين فرّقتهم المشاغل أو حتى الميراث، فتذوب الخلافات على نار هادئة وتشكل الأكلة الشعبية وسيطًا يرمم ما انكسر من العلاقات. ومع امتداد السهرة إلى ساعات متأخرة، يتحول المنزل إلى حضن جماعي يعيد صور الزمن الجميل، حين كانت العائلة تجتمع حول طبق واحد وتقتسم الحكايات قبل الطعام وبعده. هذه الجلسات، تستعيد ذاكرتها بقوة خلال شهر نوفمبر، حيث يروي الجد والجدة قصص الثورة ويعيدان رسم ملامح تاريخ كامل على مائدة الطعام، فيختلط البرد خارج الجدران بحرارة الماضي داخلها، ليتحول البيت إلى خزان للدفء الإنساني والذاكرة الجماعية.
وبين صوت القدور المشتعلة ورائحة التوابل التي تتسلل إلى الأزقة، يبقى الشتاء في سطيف فصلًا تستعيد فيه العائلات علاقتها بالطعام كجزء من هويتها. فالثلج ببياضه الذي يفرض العزلة على الطرق، يجمع الناس ببياضه أيضا حول “القصعة”، ويعيد الدفء إلى القلوب قبل البيوت. وحين تعصف الرياح الباردة بأحياء سطيف، لا تقول العائلات “اشتد البرد”، بل تردّد: “اليوم نهار عيش أو شخشوخة بحرارة الضغط العالي”، وكأن هذه الأكلات وُجدت خصيصًا لتكتب فصول الشتاء البيضاء في ذاكرة الهضاب العليا.
“الدوبارة” الطبق البسكري المسافر بين الثلوج والصقيع
يعرف الجزائريون “الشخشوخة” البسكرية، ويعتبرونها طاقة حرارية تذيب أي صقيع يلفّ الشارع، وبإمكانها أن ترفع درجة الحرارة من الصفر مئوية إلى عشر درجات حرارية بحسب ما ينكت أهل بسكرة مع بعضهم البعض،ولكنها برغم روعتها قليلة الظهور في المطاعم الشعبية والعصرية، وربما يعود ذلك إلى كلفتها، لأن الشخشوخة البسكرية، لا تحلو من دون قطع لحم، لأجل ذلك بقي سلاح البرد منذ القدم في بسكرة ولياليها هو طبق “الدوبارة”، الذي تمكن من أن يكون سفير الزيبان في مدن الشمال على وجه الخصوص، من وهران إلى عنابة، مرورا بالعاصمة وقسنطينة وسطيف. ومن المستحيل أن لا تجد مطعما، يؤشر على لوحاته الإشهارية عنوان “الدوبارة البسكرية الحارة”.
يقول الحاج عبد اللطيف وهو من مبدعي الدوبارة في عاصمة الزيبان: “هناك فترتان يبلغ فيها تنال “الدوبارة” ذروته، في شهر رمضان حيث صارت بعض العائلات تراها بديلا عن الشربة القسنطينية الحمراء والحريرة الوهرانية، وفي فصل الشتاء حيث تتحول إلى ما يشبه الدواء أو أمصال للوقاية من الزكام، فطبق ساخن وحار ومليء بالتوابل، يعني بالنسبة لأهل بسكرة تناول مجموعة من المضادات الحيوية التي ترّد للفرد عافيته وحرارته على وجه الخصوص.
البعض في بسكرة يطلق على “الدوبارة” حبيبة الفقراء، لأن سعرها لا يزيد عن 250 دج كأعلى تقدير. لكن مكوناتها من مادة الحمص والفول والطماطم الطازجة والتوابل وغيرها، أدخلها ضمن الأدوية أو على الأقل الأكلات الصحية التي تسري في العروق.
شعبية الدوبارة خارج ولاية بسكرة وكسرها لمحليتها التي دامت لعدة عقود، نقل بعض الطهاة المعروفين في بسكرة إلى مدن شمالية، ومنهم الحاج عبد اللطيف الذي افتتح له مطعما يقدم الدوبارة مع أكلات أخرى مثل اللوبيا والحمص، من دون أكلات أخرى، عندما تهب العواصف الثلجية ويجاور مقياس الحرارة الدرجة الصفرية.
الدوبارة لم تعد أكلة يتناولها عابر سبيل أو متنقل من هنا وهناك في المطعم فقط، وإنما صارت توضع في “حمالات أكل” وصحون مغطاة، وتنفل إلى البيوت وأحيانا إلى ولايات أخرى بعيدة، وتجمع أفراد العائلات في شمال الجزائر حول طبق دوبارة ساخن يقلل من قرّ الشتاء، أو كما قال الحاج عبد اللطيف: “عندما يشتد البرد عليك بالمدفأة والدوبارة أيضا”.
في بسكرة هي الطبق الشعبي الأول للطلبة والعمال وفئات أخرى، في فصل الشتاء والبرد، لا يفرطون فيها، فمعدتهم يمكنها أن تصبر إلى غاية الليل من دون أن تدق جرس الجوع إذا كان ما تغذت به هو الدوبارة.
وما يُثلج الصدور أن “الدوبارة”، لا تساير بنفس الجشع ارتفاع الاسعار بين هذه المادة وتلك، فحافظت على أسعارها، وهي حتى عندما يجتهد صاحب مطعم بزيادة، تبقى في المتناول، رحيمة بجيوب متذوقيها وهم ليسوا بالضرورة من الفئات البسيطة بل صارت موجودة في المطاعم الراقية وفنادق الخمسة نجوم.
حمص “دوبل زيت” و”دوبل وقاية” من برد الشتاء
بمبلغ 200 دج ودخولك محلات “الحمامصية” المعروفين في قسنطينة، من شارع “الرصيف” إلى “رحبة الجمال”، بإمكانك أن تخرج وحرارة أوت ترافقك، في عز ديسمبر، هذه قناعة”المدمنين” على طبق “الحمص” القسنطيني بزيت الزيتون المضاعف أو كما يسمى “دوبل زيت”.
حمامصية قسنطينة ورثوا تقليد غريب، كان يؤديه، عمي علاوة الذي توفي منذ عقدين، وهو من منطقة القبائل الكبرى استقر في قسنطينة، واحترف طهي الحمص في محل صغير، لا يكفي لطاولة واحدة في حي الرصيف في وسط المدينة، كان يباشر عمله في طهي الحمص، في منتصف الليل تقريبا، ومع اقتراب موعد صلاة الصبح، ينسحب إلى الجامع الكبير بشارع العربي بن مهيدي ليؤدي الصلاة، ثم يفتتح محله في شتاءات المدينة الباردة مباشرة بعد انقضاء صلاة الصبح، فيزحف نحوه الزبائن جماعات ويغلق مطعمه المجهري، بعد أن يمتلئ الشارع بالمارة في حدود الثامنة صباحا.
المرحوم عمي علاوة أو كما كانوا يسمونه ملك الحمص القسنطيني جعل الحمص أكلة صباحية لمقاومة البرد خاصة في الأيام المثلجة، أو ما يشبه فطور الصباح.
صحيح أن غالبية باعة الحمص صاروا يبيعونه إلى جانبه الشواء، إلا أن الحمص كان ومازال المطلب الاول من الزبائن في الاجواء الشتوية.
مكونات الحمص كلها مليئة بالحريرات من الكروية والملح والكمون والبصل والبقدونس إلى زيت الزيتون ومادة الحمص نفسها،وهي من ترتقي بالحمص إلى رتبة الأطباق الشتوية المميزة، في محل مملوء بالزبائن وسط نغم واحد: “زيدني كيلة زيت والفلفل الحار”.
في رحبة الجمال بوسط مدينة قسنطينة، أصحاب طاولات البيتزا المربعة “كاري” يخسرون الرهان في فصل الشتاء، فالمداخن التي تصنع الحدث بدخانها ودفئها المنبعث من محلات الحمص الصغيرة تجلب الناس وسيكون من الصعب وأحيانا من المستحيلات أن تجد كرسيا واحدا شاغرا أمام محل يبيع الحمص دوبل زيت” وعليك أن ترضى بالأكل واقفا. يقول البائع الشيخ بوسحال: “الأكل جلوسا هو القاعدة ومع الحمص هو الاستثناء”.
يشرح السيد عمار بوكعباش صاحب مطعم في وسط المدينة بروز الحمص القسنطيني كأكلة شتوية في أجواء الدفء التي تصاحب طهيه، فهو أولا يطهى على الجمر وعلى نار هادئة جدا، تملأ المكان حرارة، ولا يشعر الطاهي أبدا أنه في عز الشتاء، وعندما يضيف الكمون والكروية والملح، يساير بعد ذلك الزبون في إضافة “الحشائش” والبصل وطبعا الهريسة وزيت الزيتون حسب المطلوب، تكتمل المكونات الحرارية، ويصبح تناول “سحفة” كما تسمى في قسنطينة من الحمص، هي انتقال مناخي من الشتاء البارد، إلى فصل الصيف مع سبق الإصرار والترصد.