الغربيَّةُ رحمٌ وداء
كتب الإمام محمد البشير الإبراهيمي -رحمه الله ورضي عنه- قائلا: “الغربيَّة رحمٌ يرعاها الغربيُّ للغربيِّ”، ومعنى هذا الكلام أن كل غربيٍّ -جغرافيًّا أو ثقافيًّا- يناصر ويؤازر كل غربي ولو كان ظالما إن كان الخصم مسلما أو غير غربيٍّ، والأوروبيون في هذا التناصر والتآزر كأنهم خارجون من رحم واحدة، فإذا زال شبحُ ذلك الخصم رجعوا إلى ما جبِلوا عليه من تكالب وتقاتل على الأمور المادية، إذ لا معبود لهم في ثقافتهم إلا المادة كما جاء على لسان كثير من فلاسفتهم ومفكريهم.
لا قيمة لمبادئ الحق والعدل عند أكثر الغربيين، وأبرز دليل على ذلك هو ما يجري في أولى القبلتين، ثالث الحرمين الشريفين، المسجد الأقصى، في القدس الشريف، في فلسطين المجاهدة، حيث أنشأ الغربيون كيانا سرطانيا، جمعوا فيه ما سموه “الجراد الأصفر”، تخلصا من شره المستطير، وزرعا لشوكة في قلب الأمة الإسلامية.. وها هو هذا الكيان السرطاني يأتي المنكرات، ويرتكب الفواحش، ويقترف الجرائم ضد شعب جُرِّد حتى من الأسلحة البدائية، وحُرم من كل شيء، ليأتي هؤلاء الغربيون ليمنحوا هؤلاء المجرمين الصهاينة كل أنواع الدعم والمساندة المادية والمعنوية.
إن آخر ما تجلى فيه هذا التراحمُ الغربي هو هذا البيان الوقح الذي أصدره “الاتحاد الأوروبي” في بروكسل، ضد الجزائر التي قررت “تعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار” مع إسبانيا، التي لا تعرف للصداقة وحسن الجوار معنى. وما فعلت الجزائرُ ما فعلت إلا تأييدا لشعب يناضل بشرف ضد نظام متعفن ما يزال إلى حد الآن “يُركِع الناسَ” لبشر مثلهم، بل أسوأ من كثير منهم.. وإن زعم أنه من آل محمد -عليه الصلاة والسلام- ووالله، وتالله وبالله لو بعث الله -عز وجل- محمدا -عليه الصلاة والسلام- ورأى ما يرتكبه هذا الذي يزعم أنه من آلِه لتبرّأ منه، وعزَّره، وأقام عليه الحدّ.
إن إسبانيا هي أصلُ أزمة الصحراء الغربيّة، التي كانت تستعبد شعبها، وتستغلّ خيراتها، فلما أجبر الصحراويون بنضالهم إسبانيا على الانسحاب من أرضهم سلّمتها بنذالة إلى نظام لا يصلح إلا لضرب الأمثال على تحجُّر بعض الناس.
لماذا لم يتحرّك الاتحاد الأوروبي ليقول لإسبانيا إن وجودك في سبتة ومليلية غير شرعي، لأنهما جزء لا يتجزأ من أرض الشعب المغربي؟ ولماذا لا يتحرك الإتحاد الأوروبي ليقول لأخته الكبرى الولايات المتحدة الأمريكية: إنك ظالمة للشعب الكوبي لوجودك غير الشرعي في جوانتانامو وهي جزءٌ لا يتجزأ من دولة كوبا الحرة السيدة؟
إن هؤلاء الغربيين مازالوا يعيشون على ماضيهم الاستعماري، ويعتبرون كل قرار من أي دولة إفريقية أو آسيوية يجب أن يكون وفق ما تهوى أنفسُهم.
إن الجزائر باتخاذها قرار “تعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار” مع إسبانيا تصرّفت تصرُّف الشرفاء، لأن إسبانيا غير أهل لهذه الصداقة ولحسن الجوار.. وإن أرادت إسبانيا صداقة حقيقية وحسن جوار حقيقيا فلتُصلح خطأها مع الشعب الصحراوي، ولتضغط على النظام المتعفِّن في المغرب ليعترف بحق الشعب الصحراوي في الحرِّية والكرامة والسيادة على أرضه وثرواته البرية والبحرية.