-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الغش في منظومة صناعة الفاشلين

حبيب راشدين
  • 2657
  • 0
الغش في منظومة صناعة الفاشلين

في حين كانت وزيرة التربية منشغلة بدفع تهمة التقصير عن الوزارة حيال الخطأ في هوية شاعر عربي، والتقليل من شأن حالات الغش بدخول وسائط الاتصال العصرية على الخط، لم نلتفت إلى بقية الخطايا المسكوت عنها في مجمل فصول هذا الاستحقاق الخطير، كأن نتوقف قليلا عند الغاية أصلا من هذا الامتحان، وهل يشكل فعلا وسيلة موضوعية وعادلة لتحقيق الفرز، والفصل بكل شفافية وإنصاف بين من يحق له الالتحاق بالتعليم العالي، ومن حق عليه العودة إلى صفوف صناعة الفشل وإعادة تدوير الفاشلين؟

بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال وعقود كثيرة من تجربة المجرّب في منظومةٍ تربوية منكوبة، لم يبادر أي طرف من الأطراف المعنية بمنظومة التعليم إلى طرح فرضية الاستغناء عن البكالوريا كجسر عبور وتواصل بين التعليم الثانوي والجامعي، كان قد ابتدعها نابليون منذ أكثر من قرنين، كأداة إكراه وسيطرة لبسط السلطة الملكية للدولة على المنظومة التعليمية الخاصة، ومنها تحديداً التعليم داخل المؤسسات الكنسية، وليس كوسيلة فرز وتأهيل بأهداف بيداغوجية صرفة.

أسبابٌ وجيهة كثيرة كانت توجب منذ عقود إعادة النظر في الحاجة إلى هذا الاستحقاق كبوّابة عبور الزامية نحو التعليم العالي، وهل هي فعلا أداة لا غنى عنها لتحقيق الفرز، ومنع وصول الفاشلين إلى الجامعات والكليات؟ أم هي أداة إقصاء سنوي فعّالة لأكثر من نصف رواد الطور التعليمي الإجباري، وتضييق بوابة التسلل إلى الوظائف والمهن ذات القيمة الاجتماعية المضافة؟

ومن أهمّ الأسباب، أن هذا الامتحان لم يعد يفي بوظيفته البيداغوجية الأولى، تحقيق فرز موضوعي يثمّن الكفاءة، ولا بوظيفته الثانية كأداة فعالة لتقييم مردود الطور التعليمي الثانوي، وإلا كان واجبا على السلطات أن تعلن حالة الطوارئ، وتصنف التعليم كقطاع منكوب.

ولنا أن نعلم أنه ـ وباستثناء فرنسا وبعض الدول الأوروبية اللاتينية ـ فإن معظم الدول المتقدمة الأنغلوساكسونية، والنمور الأسيوية، قد اختارت أدوات بديلة للفرز وتأهيل التلاميذ للالتحاق بالتعليم العالي، منحت هامشا واسعا للجامعات والكليات لتنظيم اختبارات حقيقية للفرز، وأوجدت إلى جانبها مؤسسات مختصة تعدّ التلاميذ لخوض هذا النوع من الامتحانات القاسية، كما اجتهدت في تنويع منافذ الالتحاق بالكليات والمعاهد المختصة تستوعب البقية وفق مبدأ: كل حسب طاقته ومؤهلاته واجتهاده، ولكل حسب طموحاته وحاجات سوق العمل.

وإذا كان لا بد من التوقف عند ما أشيع عن حالات الغش، التي تبقى محدودة غير مؤثرة، فإن الوزارة هي أول من ينبغي أن توجّه لها تهمة الغش الموصوف، بل والنصب والاحتيال على التلاميذ والأولياء، بإدارة منظومة تعليمية قاصرة فاشلة، بنسب نجاح تتراجع من سنة إلى أخرى، يفترض أن تُلزم الحكومة بواحد من الخيارات الثلاثة: الاعتراف بفشل المنظومة ورصد مواطن الغش فيها، ثم الذهاب إلى إصلاح جذري، أو ابتكار مسارات أخرى للعبور بالتلاميذ إلى الطور الجامعي، لا تقصي كل سنة قرابة ثلثي التلاميذ، أو الاستغناء عن هذا الامتحان الذي يفضح الوزارة والحكومة كل سنة، ويفضح بالمعيّة مجمل المنظومة التعليمية، في بلدٍ يخصص ثلث ميزانيته لمؤسّسةٍ فاشلة تتفوّق بامتياز في صناعة الفاشلين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • عبد الرزاق

    السلام عليكم
    اود ان اشكرك مرتين يا استاذ حبيب
    اولهما للغتك الراقية واسلوبك الجميل الممتع الذي قل نظيره في هذه الايام. فانك في الزمن الذي اصبحت فيه الرداءة هي القاعدة,لا تكاد تقع مقال يستحق القراءة, لا شكلا ولا مضمونا .
    و ثانيهما لانك طرحت القضية على وجهها الصحيح. ان المنظومة التعليمية, مصنع الاجيال, اصبحت تصنع مسوخا بدل تكوين كفاءات تضمن مستقبل البلد, ولا مناص من اعادة بنائها على اسس حديثة. بدل السير في ركاب الغرب.علينا صياغة منظومتنا من قيمنا دون اغفال ما هو مغيد لدى غيرنا

  • مختار

    البكالوريا حلم كل شخص و لكن لتحقيقه هناك طريقين مشروع او الغش ,
    لماذا انحطت كل قيم فينا حتى نذهب للطريق السهل بدون بذل اي مجهود ,
    و لكن استاذي الفاضل هل يبقى مشكل الغش في مرحلة الانتقالية للباكلوريا ام سيحمل الطالب معه هذا التصرف الى الجامعة و هو الغالب كما رئينا فأشكال الغش أكبر و ايشع لأنها تتطور الى سرقة فكرية و صعود على المصداقية فلنا ان نفكر في مستقبل اجيالنا بجدية و

  • Alanlad

    Citez moi monsieur un domaine ou il n y a pas de triche dans ce bled

  • ارض الله

    ادن انت من الفاشلين لانك صنعت هنا لانك خريج المدرسة الجزائرية حتى النقد البناء تفتقدونه فلولا المدرسة الجزائرية التي تشتمونها لكنتم في اماكن اخرى العيب في الاسرة والمجتمع وليس المدرسة لان الاسرة تخلت عن دورها في تربية ابنائها على الاخلاق والقيم بل تدفع بهم الى الشارع لتربيتهم وهدا هو النتاج وليست المدرسة.

  • بدون اسم

    التفكير خارج الصندوق باب من ابواب الحل. لكن لا بد من استقرار سياسي ديمقراطي او دكتاتورية هتلرية اونابوليونية للتطبيق. اما في هذه الظروف الملتهبة على الحدود فماراهمش لاهيين بالتعليم

  • أبو يوسف

    سي حبيب ...لقد وضعت أصبعك على مواطن الألم لا مصدره ، فعند الخوض في أي حلول لمشكلات المدرسة الجزائية ، لا بد من الاجابة عن هذه الاشكاليات"الفلسفية" بداية :
    - ما هي مرامي و غايات التربية في ظل التحولات التي يشهدها المجتمع و العالم؟
    - و من هم المخولون و المؤهلون لوضعها ؟
    - من يقوّم من ؟ ويقوّم ماذا؟
    البداية يا أستاذ تكون من فلسفة التربية و مشروع المجتمع .