-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الغناء الصحراوي.. مزيج متناغم بين رسالة إنسانية وإيقاع آلات 

نسيبة علال
  • 531
  • 0
الغناء الصحراوي.. مزيج متناغم بين رسالة إنسانية وإيقاع آلات 

الحديث عن التراث اللامادي لجنوبنا الكبير، يقود تلقائيا إلى تسليط الضوء على الإرث الغني، الذي يجمع الغناء الصحراوي شعرا وإيقاع آلات فريدا، بحركات راقصة وطقوس اجتماعية وتصفيق مدوٍّ.. فالغناء هناك، حيث يذهب صدى الأصوات في أفق ممتد، لا يقتصر على كونه أسلوب ترفيه، بل رسالة ووسيلة للحفاظ على الهوية واللهجات المحلية، ونقلا للقيم والعادات.

حرفيون محليون يستنطقون الخشب والجلد

إيقاعات متجددة تصل العالمية

في كل منطقة من الجنوب الكبير، ولدت العديد من الآلات الموسيقية، التي تستخدم في ضبط الإيقاع الصحراوي، أشهرها العود والكمون، الجومبري، القرقابو والإيمزاد التارقي، الغني عن التعريف، وطبول تختلف أشكالها وتتلون إيقاعاتها من (التغنزة) الدف والعراج والدندون.. المميز فيها، أن الإيقاع الصحراوي التراثي، أو العصري، لا يعزف إلا بما تجود به أيادي الصناع المحليين. الشروق العربي التقت واحدا من هؤلاء الحرفيين، الذين يبدعون في إتقان آلات ووسائل موسيقية دقيقة الصنع، السيد حاكمي غازي، أحد رجالات صحراء تاغيت المبهرة، الذي ينطق الخشب والجلود، أنغاما صحراوية وإفريقية.

فكان أول من أبدع في صنع بعض الآلات الموسيقية، بطابع جديد، مثل الجيتار بجلد الجمل أو الكاخون، وهو طبل إسباني الأصل، يقول: “صنعته بجلد الجمل، ومازالت الـ”كورا”، وهي من أشهر الآلات الموسيقية الإفريقية تقليدية الصنع، تعد أقرب في تصميمها إلى العود من الجيتار، أصلها من مالي والسنغال، صنعتها بالخشب الصلب، حتى تكون صالحة للسفر عبر القارات، بدلا من صنعها بثمرة القرع الهشة نوعا ما..”.

لم تعد الألات الموسيقية الصحراوية مجرد أدوات تقليدية محلية، هي اليوم، بعد كل ما مسها من تجديد وتطوير، بفضل الصناع المحليين، تتحول إلى رمز لكل منطقة، لا يقتصر اقتناؤها على الراغبين في تعلم الطرب الإفريقي أو الصحراوي، فحتى السياح الأجانب أصبحوا منبهرين بأشكالها الغريبة وإيقاعاتها العميقة، يقتنونها كتذكار.

 مع هذا، يؤكد السيد غازي، صانع الآلات أنه: “يجب أن تسافر إلى شمال البلاد، كي تجد ما تحتاجه من مواد أولية، توظف في هذه الصناعة. وفي بعض الأحيان، نلجأ إلى إعادة تدوير الخشب القديم، كما نستعمل مواد محلية، مثل الكلباز أو القرعة.. وجلود الحيوانات، مثل الجمل والماعز والبقر. أما بعض الآلات الموسيقية، فنحتاج لصنعها إلى سلع من دول مجاورة، مثل النيجر ومالي وموريتانيا والمغرب.. وتتراوح تكلفتها بين متوسطة وغالية، إذ نشتري سلعا في الصحراء باهظة الثمن، نظرا إلى بعد المسافة بين الشمال والجنوب، وقلة الطلبات عليها”.

طبوع متنوعة تحكي الحياة بكل جوانبها

في السياق، التقت الشروق العربي بن ضحوة عبد الصمد، أحد المغنين الصحراويين، المعروف فنيا بالمعلم صماد الڨناوي، يتحدث عن الطبوع الغنائية الأشهر بالجنوب الجزائري، وحتى في المغرب العربي وشمال إفريقيا، إذ تتربع موسيقى الديوان، بحسبه، على رأس قائمة هذا التراث العريق، يقول: “سميت الديوان، اشتقاقا من كلمة التدوين، فهي ليست مجرد غناء، وإنما ذاكرة جماعية أو أرشيف. ويختلف غناء هذا الطبع، الأكثر انتشارا من منطقة إلى أخرى. ويتناول مواضيع مختلفة، أهمها المديح، الذي يغنى في الـ “وعدات”، التجمعات الشعبية، حيث يلتقي الناس في الزوايا، عن الأنبياء والرسل والصحابة، عن الوالدين، الغربة، الموت، الفرح، وحتى حياة الناس في القبائل القديمة وملوكهم..” موسيقى الديوان، التي يعدها أهل الجنوب رسالة عابرة للصحراء وللدول والقارات، استطاعت بالفعل أن تتحول إلى طبع غنائي عالمي، تفرعت عنه عشرات الطبوع الموسيقية الشهيرة.

إلى جانبها، تنتشر في صحرائنا طبوع أخرى، بعضها يرتبط بطقوس علاجية، وأخرى روحية، وبعضها لا يغنى إلا في الأفراح أو حتى في الأحزان، كالطابع التندي، الذي يجمع أغاني التوارق، المنتشرة في تمنراست، تغنيه حتى النساء، ويشكل جزءا من هوية المنطقة، وأداة جلب سياحية، يعول عليها كثيرا، والطابع الحساني في صحراء تيندوف وما جاورها، نظم أشعار ملحون، لا يشبه كثيرا الغناء البدوي الحساني الشعبي، المتميز بمواضيع خاصة، كالفروسية والكرم والغزل والمديح.. والموسيقى الزناتية من ناحية قورارة، الموسيقى المحلية من ناحية توات، وغيرها، التي لا يكتمل مشهدها الفني إلا بموجات تصفيق الحاضرين، تعلو وتفتر رويدا، تصحبها لوحات راقصة، حيث يتقن الجميع التفاعل الجسدي مع الإيقاع، إلى حد التوحد معه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!