الفنانة موني بوعلام: أرفض تكرار الشخصيات وأحب اكتشاف نفسي في أدوار أخرى
إذا كانت تجربة الإخراج بعد التمثيل تمنح المخرج فهمًا أعمق للجمهور وللاحتياجات الدرامية للممثلين، فإنها قد تصبح عائقًا حين لا تترافق بمعرفة تقنية ومنهجية، وتكوين أكاديمي قوي في الإخراج المسرحي ما يسمح للمخرج ببناء عمله على أسس علمية.
في ظل كل ما سبق، يظهر اسم ضيفتنا الفنانة موني بوعلام، التي قررت دراسة الإخراج المسرحي في فرنسا، وتقدم أول عمل إخراجي لها مؤخرًا بعنوان “كرنفال روماني”، الذي حاز العديد من الجوائز المهمة، لتعبّر عن جيل جديد من المخرجين المسرحيين، الذين يمزجون بين التجربة والخبرة في التمثيل والتكوين الأكاديمي.
موني بوعلام، من الأصوات المسرحية النسوية البارزة في الجزائر، خاضت أولى تجاربها الإخراجية على خشبة المسرح الجهوي لقسنطينة، بعد إنهاء دراسة الماجستير في الإخراج المسرحي بجامعة “ايكس مرسيليا” في فرنسا، في تخصص “الإخراج المسرحي المعاصر”.
وكشفت المخرجة والممثلة الجزائرية موني بوعلام، في حديثها مع “مجلة الشروق العربي”، أن توجهها إلى الإخراج المسرحي لم يكن مجرد خطوة فنية، بل كان خيارًا وجوديًا نابعًا من حاجتها إلى التعبير بصوتها الخاص، بعيدًا عن توجيه مخرجين آخرين.
أبحث عن مساحة حرة لسرد المواضيع بطريقتي من خلال نظرتي كامرأة وفنانة
اخترت دراسة الإخراج كوسيلة للتعبير عن مواضيع تلمسني
الشروق: نبدأ لقاءنا بالنجاح الذي حققته مسرحية كرنفال روماني التي كانت من إخراجك كأول تجربة لك.. كيف استطاعت موني أن تحقق هذا النجاح؟ ولم اخترت مهنة الإخراج بالضبط؟
_ كنت بحاجة لقول أشياء لم أكن أستطيع التعبير عنها تحت إشراف مخرجين آخرين. كنت أبحث عن مساحة حرة لسرد المواضيع بطريقتي، من خلال نظرتي كامرأة وفنانة. لم أتمكن كممثلة من تناول القضايا التي أردت الحديث عنها، ولهذا اخترت التوجه لدراسة الإخراج كوسيلة لتعبير عن مواضيع تلمسني. أضف إلى هذا العلم والتكوين يساعدان الفنان على الإلمام بكل تفاصيل العمل المسرحي، لأن الممثل كالعجينة بين يدي المخرج، والتكوين يمنحك القدرة على توجيهه بطريقة واعية وجمالية. المسرح مثل حقل تجارب، دائمًا هناك أشكال جديدة ورؤى متجددة تتطلب منا البحث فيها.
الشروق: ولهذا اختارت موني أن تدرس الإخراج بفرنسا وعلى يد كبار المخرجين..
_ الدراسة تجعلك تقترب من العمل وكأنه قطعة نحت، تمنحك أدوات دقيقة لخلق عرض متكامل من حيث الإضاءة، الإيقاع، البناء البصري، النص وغيرها. والتكوين الأكاديمي يساعد على التعامل مع التحديات في أثناء الإخراج، فيصبح كل قرار إخراجي مبنيًّا على أسس، لا على الحدس فقط.
الشروق: كيف ترين مهنة الإخراج مقارنة بالتمثيل؟
_ التمثيل هو شخصية نتقمصها ونقدمها، وبكل الحالات أنت هنا مسؤول عن شخصية واحدة، أما الإخراج فمسؤولية أكبر… تجربتي الأولى في الإخراج لم تكن سهلة. خلال إقامتي في فرنسا، خضعت للعديد من التدريبات حول تقديم المشاهد في الفضاءات العامة، ودرست على مدى سنتين تخصص الإخراج المعاصر، حيث كان تركيزي على التحليل الدرامي للنصوص. من خلال مذكرة التخرج، اكتسبت أدوات جديدة في التعامل مع الفن المعاصر، ما ساعدني لاحقًا في ملامسة النصوص الكلاسيكية من منظور مختلف.
الشروق: بعيدا عن الإخراج المسرحي ما المسرحية الأقرب إليك؟
_ في قلبي الكثير والكثير من المسرحيات، إلا أن من أقرب المسرحيات لقلبي مسرحية “ليلة الليالي” للمخرج طيب دهيمي، وإنتاج المسرح الجهوي لقسنطينة، التي فزت بها بلقب أحسن ممثلة، وأحب كذلك مسرحية أخرى كثيرا وهي مسرحية “خطيئة النجاح”، للمخرجة مريم بوسالمي وإنتاج أكاديمية ألمانية، كان تمثيلها مشترك بين كوكبة من ممثلات عربيات، بألمانيا وأنا كنت ممثلة عن بلدي الجزائر، هذه المسرحية الناطقة بالعربية والانجليزية، سمحت لي بالبروز عالمياً، وكذا اكتشاف نفسي في أدوار أخرى، واكتشاف مساحات أخرى، وطريقة عمل جديدة مع المخرجة التونسية. كما أحب مسرحية “نساء المدينة”، لشهيناز نغواش، التي مثلناها سنة 2015، وهي مسرحية كوميدية رائعة.
الشروق: ما نوع الشخصيات التي تعشق موني تجسيدها ركحيا؟
_ الشخصيات التي أحبها هي الشخصيات الصعبة المركبة، لا أحب تكرار الشخصيات في الأعمال سواء في المسرح، السينما والتلفزيون، أحب كل ما هو جديد، أحب اكتشاف نفسي في الأدوار الجديدة، لأن الممثل لا يستطيع اكتشاف مواهبه إلا بالتجربة، أحب خوض التجارب الجديدة، والشخصيات المركبة تستهويني، وأنا أتمنى في المستقبل أن تُقترح علي اقتراحات لم أسبق وأن لعبتها، وأنا أرفض الأدوار المكررة، أفضل ألا أقوم بأي عمل، ولا أكرر نفس الشخصية من عمل لعمل.
الشروق: بين المسرح والسينما والدراما أين تجد موني نفسها أكثر؟
_ أنا أجد نفسي فيها كلها، لأن العلاقة بينها علاقة تكامل، في السابق كنت أنظم وقتي، حيث كنت أقوم بفيلم أو اثنين، مسرحية، ومسلسل أو سيتكوم، أما في السنوات الأخيرة كما قلت لا يوجد إنتاج سينمائي، هذا ما جعلني بين المسرح والتلفزيون، وصراحة القول أحب السينما وأتمنى أن تعود بقوة، لأني أحب أن أقسم أعمالي على المجالات الثلاثة، ولا أحب أن يأخذني مجال عن آخر، كما أتمنى أن تتحرك السينما في الجزائر، لأن الإنتاج ضعيف جدا، وهو شبه منعدم.
![]()
جمهوري الذي هو تاج فوق رأسي انتظروني في رمضان
الشروق: شاركت في مسلسلات من الشرق الأوسط ومثلت الجزائر، حدثينا عن هذه التجربة وماذا أضافت لك في مشوارك الفني؟
_ تبتسم وترد.. ذكريات وما أجملها.. شاركت أول مرة سنة 2010، بدور صغير في “ذاكرة الجسد” مع نجدة أنزور، عملي صغير لكنه رسخ في ذاكرتي لأن بداياتي في التلفزيون كانت في 2010 وكان تجربة جيّدة، وبالنسبة لمسلسل “نبض” أخذت دور البطولة وكان دور فعّال ومحرك، أحببت السيناريو، وأحببت الدور الذي يجسد الفتاة الجزائرية التي تعيش في سوريا، أحببت طريقة عملهم وطريقة استقبالهم لي، أشكر دائما الأستاذ والمنتج والممثل عاطف حوشان، بالرغم من أن ولا قناة جزائرية قامت بعرض العمل إلا أن الجزائريين هم أكثر تفاعلا مع العمل في مواقع التواصل الاجتماعي، أنا أشكر جمهوري الذي هو تاج فوق رأسي.
الشروق: وجمهورك ينتظر جديدك في رمضان.. ما جديد موني بوعلام؟
_أنت تعلم والكل يعلم أن الأعمال الرمضانية أغلبها تصور قبل رمضان بشهرين.. أي نعم، اقترح علي أكثر من عمل، ولكن لحد الآن لم يتم الاتفاق النهائي. كل ما أقوله: انتظروني في رمضان.
الشروق: وماذا عن السينما؟
_ حاليا، أنا بصدد الانتهاء من كتابة فيلم سينمائي من إخراجي، أتمنى إن شاء الله أن يرى النور السنة الجديدة.
الشروق: ما الذي منحك إياه التمثيل التلفزيوني باعتبارك ابنة المسرح؟
– أعطاني فرصًا ينتظرها أي فنان، من خلال التعرّف على جمهور أوسع بعيدًا عن جمهور المسرح، وفئة جديدة ومختلفة من المشاهدين، كما أنّني حظيت بعلاقات طيّبة وجميلة في هذا الوسط. علاقات غنمت منها محبّة عالية وغير مشروطة، وهذا ما أعتبره هديّة إلهية.
الشروق: هل تطمحين إلى ولوج العوالم الدرامية مستقبلًا؟
– لا ريب في أن لي من الطموحات والأحلام الكثير لأحقّقه، كأن أنال فرصًا أفضل وأرحب. بشخصيات تتّسم بالعمق والجديّة لكي أخوض تجارب تمثيلية أتمناها مختلفة، مسرحيًا وتلفزيونيًا وسينمائيًا أيضًا، تلك الفرص التي قد تصنع مني الإنسانة والفنانة التي ما زلت أبحث عنها في داخلي.
أريد فرصًا هادفة ومحترمة وذات وزن فكري، لتساهم ولو قليلًا في إثراء الذوق الفنّي، وأن ترسم الابتسامة على محيّا المشاهد، وتثير في قرارته الكثير من الأسئلة بحثًا عن الحقيقة.
أسير بخطى ثقيلة وثابتة… وحياتي الشخصية خط أحمر
الشروق: كيف توازن موني بين حياتها الفنية وتلك الشخصية؟
– الكثير من يعلم أن غيابي الأخير عن الساحة كان سببه الإنجاب والاهتمام بأسرتي، قبل كل شيء، والآن، بعد رجوعي، حين أشعر بأن العمل أخذني من أسرتي، أحاول سريعاً الموازنة بين الأمور، فبعد غيابي عن أسرتي من أجل تصوير عمل درامي أو مسرحي، يجب عليّ تخصيص وقت للجلوس معهم في المنزل، أو التفكير في السفر للاستجمام معهم.
الشروق: ماذا يمثل الحب لموني بوعلام؟
– الحب بالنسبة إليّ هو أفعال وليس مجرد كلمات رومانسية عابرة، والعلاقة الزوجية، يمكن أن تستمر بالتفاهم، مثلما حدث مع أجدادنا، كما أرى أن التواصل والحوار هما الأهم في أي علاقة، فهي بمثابة الوردة التي نسقيها يومياً لكي تظل نضرة ويفوح عطرها.
الشروق: هل لموني بوعلام خطوط حمراء؟
_ أكيد، لكل واحد منا خطوط حمراء. وعن نفسي، دائما أحاول إبعاد حياتي الشخصية عن الأضواء.
الشروق: هل تؤمنين بمقولة إنّ الفنان يصبح “مُلكاً” لجمهوره ومن حقه أن يعرف كل شيء عنه؟
– نعم، الفنان ملك لجمهوره، وهو في الكثير من التفاصيل “رهن لهذا الجمهور”، ولكن حياة الفنان الشخصية كما قلت لك سابقا تبقى خاصة ولا دخل للجمهور بها، وعليه احترام ذلك.
الشروق: كيف تصف موني بوعلام نفسها؟
_ أنا أم وممثلة ومخرجة، وأسير بخطى ثقيلة، ولكن ثابتة.
الجميل، حتى الآن، أنني أمتلك حرية التعبير الكاملة، أما التحدي الأكبر، فهو قلة الممثلين الشباب القادرين على التحكم في الجسد والصوت والتعبير المركب، خاصة في النصوص التي تعتمد على الأداء الجسدي المكثف. ولهذا، أرى أن تكوين الممثل ضرورة لا تقل أهمية عن تكوين المخرج.