“القتل” مجاني ومضمون!
ما حدث في مستشفى بولاية الوادي، هو مأساة إنسانية، بكلّ المقاييس وبكلّ اللغات والتفسيرات، ومثلما لا تعفي هكذا تراجيديا، الرئيس والحكومة والوزير والوالي، من المسؤولية السياسية والأخلاقية، فإن هؤلاء لا يمكنهم مثلا أداء وظيفة ومهام ودور مدير المستشفى والأطباء والممرضين والمناوبين والحرّاس، وهو ما يستدعي حراكا يحرك الضمائر الميتة والقلوب المتحجرة، التي قتلها الإهمال والتسيّب واللامبالاة و”الجمونفوتيست”!
هذه المصيبة التي حلت بعديد العائلات بولاية الوادي، وكانت المأساة حتما مقضيا في جنح الظلام، تتقاطع مع عديد المصائب التي ابتلي بها مواطنون في عدة ولايات، وخلال أوقات مختلفة، في قطاع مريض وموبوء، يرفع يافطة “العلاج مجاني ومضمون”، لكن الأيام أثبتت أن “زهق الأرواح” و”القتل الخطأ” في المستشفيات والمراكز الصحية “مجاني ومضمون” أيضا!
ما يسمى بالأخطاء الطبية، والتي تكررت وخلفت عشرات ومئات الضحايا، يُمكن إدراجها في خانة “الشروع في القتل”، وإن كان “جلّ من لا يسهو”، إلاّ أن الأخطاء تحوّلت إلى خطايا، والخطايا تلون بلون “الجرائم”، طالما أن هناك “قتلى” في صفوف المرضى ومرتادي المصحات والمستشفيات، سواء في القطاع العمومي أو الخاص الذي لا يعترف إلا بقاعدة “كحّ وفوت”!
مصيبة المصائب، أن تغيير وزراء القطاع ومديري الصحة والمستشفيات، ومعاقبة أطباء وممرضين وقابلات، مازال إلى ان يثبت العكس، الإجراء الذي لم يأت أكله، طالما أنه لم يوقف الكوارث التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من يوميات الحياة والموت في مستشفيات تحوّلت في نظر أغلب المرضى وعائلاتهم إلى “باطوارات” خارج المألوف!
لا إقالات ولا زيارات ولا تعاز ولا مواساة ولا “كباش فداء” ولا تعويضات، يمكنها أن تجفف دموع عائلات الضحايا، في الوادي، أو غيرها من الولايات “المنكوبة” صحيا وطبيا، كما لا يُمكنها بأيّ حال من الأحوال أن تحيي الموتى وتعيد ضحايا الأخطاء الطبية والاستهتار واللعب والتلاعب، مثلما ولدتهم أمهاتهم بقدرة الرحمان الرحيم!
رحمة الله على رضع الوادي، وعلى كل ضحايا المستشفيات الملعونة، ولسان حال كلّ جزائري يردّد عبارات التعازي والمواساة لعائلاتهم، والدعاء بأن يسكن هؤلاء “الملائكة” فسيح جناته، ويلهم ذويهم جميل الصبر والسلوان، لكن بالمقابل، فإن كلّ الألسنة الخيّرة تدعو إلى تصحيح هذا الوضع المستفزّ الذي يصنعه في كثير من الأحيان، “بسطاء” ضدّ إخوانهم البسطاء، وهي الطامة الكبرى، التي لا نسأل فيها العليم القدير ردّ القضاء، وإنّما نسأله اللطف فيه!