القطاع الفلاحي في الجزائر 2025: سنة التحوّل بين الاستثمار والتحفيز
شهد القطاع الفلاحي في الجزائر خلال سنة 2025 سلسلة من الخطوات النوعية والاستثمارات الهيكلية التي عزّزت دوره في تحقيق الأمن الغذائي ودفع عجلة الإنتاج المحلي، فيما جاءت قرارات حكومية وتحفيزية لدعم الفلاحين وتحديث البنية التحتية الزراعية.
قفزة في التمويل والدعم الفلاحي
في خطوة استراتيجية لدعم الفلاحين الصغار والمتوسطين، أعلنت وزارة المالية الجزائريّة عن خطة تمويل غير مسبوقة، تمثلت في توقيع ستة (06) اتفاقيات بين وزارة الفلاحة والتنمية الريفية والبنوك العمومية، تقضي بتوفير قروضاً بدون فوائد تصل حتى 150 مليون دينار موجهة لإنشاء منشآت التبريد والتخزين بعد الحصاد. هذا البرنامج، الذي تم توقيعه بالتعاون مع البنوك الوطنية، هدفه تقليل المحاصيل المفقودة أثناء وبعد عمليات الحصاد، وتحسين درجات جودة الإنتاج لدعم صمود المنتج المحلي أمام ضغوط السوق العالمية.
كما تمثّل هذه القروض جزءًا من استراتيجية أوسع للحكومة تهدف من خلالها إلى تمكين صغار الفلاحين، من الاستثمار في مرافق حديثة تساهم في تحسين دخلهم وتثبيتهم في السوق المحلية.
رقمنة الفلاحة وتحديث السياسات
شهدت سنة 2025 واحدة من أبرز المبادرات الوطنية لتطوير القطاع الفلاحي في الجزائر، تمثل ذلك في إطلاق عدة مشاريع لتطوير وعصرنة النظام المعلوماتي من خلال وضع منصات رقمية لكل الشعب الفلاحية، بشكل يسمح بالتحديد الدقيق للاحتياجات من المدخلات والعتاد والكميات المنتجة والمخزنة من مختلف المحاصيل.
كما يسمح هذا النظام بمتابعة ومعالجة العراقيل التي تواجهها مختلف الشعب في حينها’، وبشكل يساهم في توفير كل الظروف لبلوغ الاكتفاء الذاتي والتوجه نحو التصدير بالنسبة للكثير من الشعب.
بموازاة ذلك، أطلقت الوزارة دراسة لتقييم نجاعة السياسات العمومية في المجال الفلاحي، من أجل تحسين الدعم الممنوح للفلاحين وتكييف القرارات الحكومية مع التحولات الاقتصادية.
مؤتمرات وتجارب وطنية حول تطوير الفلاحة
في نهاية أكتوبر 2025، احتضنت الجزائر مؤتمرا وطنيا خاصّا بعصرنة القطاع الفلاحي، وذلك بمشاركة خبراء وطنيين ودوليين، ركز المؤتمر على توظيف التكنولوجيا في الزراعة، تحديث البنية التحتية، تطوير الموارد المائية، وآليات التمويل الحديثة، بالإضافة إلى الرقمنة الشاملة للقطاع.
ويعتبر هذا الملتقى حدث بارزًا يدخل في سياق التخطيط الاستراتيجي الطويل المدى لتعزيز القدرة الإنتاجية للقطاع وتحسين مساهمته في الاقتصاد الوطني، حيث تم دراسة سُبل تكثيف وتحسين الإنتاج في الشعب الاستراتيجية للرفع من المردودية وتحقيق أمن غذائي مستدام، والإدارة المستدامة للموارد المائية الفلاحية، لمواجهة تحديات الإجهاد المائي وندرة الميا، وكذا التحديث عبر المكننة والزراعة الذكية بإدماج التقنيات المتقدمة وتعزيز الزراعة الدقيقة.
مشروعات تخزين واستراتيجية الأمن الغذائي
منذ بداية العام الجاري، نفّذ وزيرا الفلاحة السابق، يوسف شرفة، والحالي، ياسين وليد، زيارات عمل ميدانية لمتابعة مشاريع تخزين الحبوب الاستراتيجية، حيث تم وضع حجر الأساس لبناء العديد من الصوامع، قصد بلوغ مستوى تخزين يصل إلى 09 ملايين طن وبزيادة قدرها 05 ملايين طن عن القدرات الحالية، وفق تصريح سابق ليوسف شرفة.
وفي تصريح للوزير ياسين وليد، أواخر أكتوبر الماضي، كشف عن انجاز 232 مركزاً جوارياً لتجميع الحبوب، ، إلى جانب العمل على إنجاز 30 صومعة استراتيجية بسعة 100 ألف طن، والشروع في إنجاز 350 مركزاً جوارياً لتجميع الحبوب بسعة 05 آلاف طن لكل مركز.
حملة مليون شجرة.. مبادرة لتغيير وجه الجزائر الجغرافي
موازاة مع المشاريع الهيكلية التي أطلقتها الحكومة خلال سنة 2025، بادرت جمعية “الجزائر الخضراء” بقيادة رئيسها فؤاد معلّى، وبمباركة ومشاركة وزير الفلاحة المهدي ياسين وليد، في إطلاق مشروع غرس 01 مليون شجرة عبر كامل التراب الوطني، وذلك في إطار تعزيز الجهود الوطنية لحماية البيئة ومواجهة التغيرات المناخية.
وتهدف هذه المبادرة الى غرس أنواع نباتية ملائمة للبيئة المحلية، سواء في المناطق الحضرية أو الريفية، مع التركيز على المناطق التي مستها الحرائق خلال الفترات السابقة أو تلك التي تعرضت لتدهور بيئي.
كما يسعى القائمون على هذه الخطوة الثمينة إلى ترسيخ ثقافة التطوع والعمل البيئي المشترك، وتحويل التشجير من نشاط موسمي إلى سلوك مجتمعي دائم، لابد من تعزيزه بشكل قوي لدى كل فئات المجتمع.
ويرى متابعون أن نجاح هذه المبادرة قد يشكل نموذجاً يُحتذى به، يجمع بين المبادرات المواطنية والدعم المؤسساتي، بما يعزز مسار التنمية المستدامة ويكرس الشراكة بين الدولة والمجتمع في حماية الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
استثمارات كبرى تبرز في المشهد الفلاحي
من بين أبرز الاستثمارات التي شهدها عام 2025، المشروع الزراعي والصناعي المتكامل “بلدنا الجزائر“ بقيمة تقارب 3.5 مليار دولار، والمتمثل في انجاز 04 مزارع نموذجية تحتوي على 1400 مرش محوري لإنتاج الحليب المجفف ومنتجات الألبان، كل ذلك على مساحة واسعة تقدّر بـ117 ألف هكتار.
يمثل هذا المشروع، الذي يشمل شراكات مع مؤسسات دولية في مجالات التكنولوجيا والري والأسمدة على غرار “جي إي إيه” الألمانية المتخصصة في خطوط إنتاج الحليب وتجهيزات الحلب الآلي، و “فالمونت” الأميركية الرائدة في تصميم وتنفيذ شبكات الري لترشيد استهلاك المياه، قفزة نوعية في توجه الجزائر نحو اكتفاء غذائي أكبر وتقليل الفاتورة المستوردة للمنتجات الأساسية.
كما يُعدّ المشروع الجزائري الإيطالي، ممثلا في شركة “بي أف الجزائر”، أحد أبرز المشاريع الزراعية التي تم إطلاقها في منطقة شمال أفريقيا خلال سنة 2025، ويهدف هذا المشروع، الذي تشرف عليه شركات إيطالية متخصصة بالتعاون مع مؤسسات جزائرية عمومية، إلى تطوير زراعة القمح الصلب واللين والشعير على مساحات واسعة في الهضاب العليا والجنوب، تقدّر بـ 36 ألف هكتار، مع إدماج تقنيات حديثة في الري، المكننة، والبذور المحسّنة.
ويكتسي هذا المشروع أهمية خاصة كونه لا يقتصر على الإنتاج الزراعي فقط، بل يشمل أيضًا سلسلة القيمة كاملة، من التخزين والتحويل إلى نقل الخبرة والتكوين، ما يجعله رافعة حقيقية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب وتقليص فاتورة الاستيراد التي تثقل الميزان التجاري.