القنبلة الذرية العراقية
في اللحظة التي توقعت فيها الأجهزة الأمنية الأمريكية والتابعة لها أن العراق قد سقط وخارت قواه وقد فتشوا في كل أنحائه عن أسلحة الدمار الشامل فلم يجدوا منها أثرا.. ملأوا السجون من أحراره وقتلوا الملايين ويتموا الملايين وهجروا الملايين واستقر في أذهانهم أن العراق تبخر وخرج من خريطة المنطقة، وأن ما بين الفرات ودجلة لم يبق إلا سوح ميدان لحركة أليات العدو وأحلامه بنهب البترول.
فجأة انبثق من العراق روح الحياة مقاومة أسطورية تعزف على وتر تاريخ العراق أهزوجة شاركت أنين الأرض وعنفوانها إرادتها في منع المؤامرة من الوصول إلى الأماني الغضة في أحلام الفتية والصبايا، وهنا تتكشف قنبلة العراق الاستراتيجية.. انبثق الشعر العراقي الرائع المستحيل ليسجل الملحمة العراقية الأسطورية.
وإذا بالقائمة المتلألئة من شعراء العراق الميامين: كريم العراقي، عباس جيجان، خضير هادي، وليد الخشماني، أدهم عادل، إيهاب المالكي، رحيم المالكي، وغيرهم شعراء انبعثوا في كل مكان يحملون كلماتهم على أرواحهم ويسجلون للعراق واحدة من أبهى ملاحمه في معركة الحياة.
نهض هؤلاء الشعراء الأفذاذ يبعثون في قيم العراق من أعمق ما يكتنزه الضمير الجمعي والوعي الجمعي يرسمون العراق التاريخي والعراق المنشود موحدين حول معاني الإجماع الوطني فكانت الوحدة والمقاومة وذكر الأمجاد والتغني بالبطولات هي محاور الدفق الأدبي بكل صوره الفذة.
لقد كان الشعراء العراقيون ضمير العراق وروحه وقنبلته الذرية التي أصابت المشروع الاستعماري في مقتل وأصابت الطائفيين في مذبح.. لم ينسحب الشعراء من الفعل المقاوم إلى الفعل المسالم عندما امتطوا صهوة الكلمة، بل اختاروا بكل وعي طريق الشهادة فسقط العديد منهم شهداء، وهم يغنون للعراق وللمقاومة ويدينون العملاء الذين دخلوا الحياض على ظهر الدبابات الأمريكية.
الشعراء العراقيون لم يلتاثوا بالطائفية ولم يسلموا للأجنبي أرواحهم ولم ينهاروا أمام القصف والقتل وجنون الانهيار.. شعراء العراق حملوا جملتهم كاملة وكانوا هم نخيل العراق وفراته ودجلته وراحوا يبحثون عن حمو رابي وقوانينه واستأنسوا بأبيهم إبراهيم، فجاءت أشعارهم قوانين بهية نقية تجمع شتات العراق وتوحد أبناءه وتتصدى للطائفية بقوة واستبسال.
أعلن شعراء العراق حبهم لوطن منحهم الإحساس بالقوة والعزة والتميز.. ووقفوا صفا متماسكا في مواجهة الريح السموم، وتصدوا بكلماتهم المقدسة لسهام السماسرة تجار الحروب.. وكانت وقفتهم هذه هي السلاح الاستراتيجي الذي لم يحسب حسابه العدو والذي يجعل من المكونات الطبيعية كلها شريكا في مقاومة وطن لم يعتد الانكسار ومهللا بانتشاء روحه.
أجل إن المثقف أخر من ينكسر وأول من يثور.. ولأنه العراق فليس مكتوبا عليه الموت بل عليه التحدي والانتصار وليس سوى الشعراء يرافق الرحلة المعجزة رحلة الصعود ودخول النار والخروج منها بأبهى وأجمل ما يمكن أن تنتجه الحياة.
شعراء العراق لوحة مجيدة من لوحات العراق تضاف إلى سجل أمجاده وهو يسير في الجلجلة غير هياب ولا مرتاب إنما هي حركات الشعوب العظيمة نحو مجدها.. يحدوها الشعر فلكم المجد شعراء العراق ومقاوميه وتولانا الله برحمته.