الكتاب شبه المدرسي.. “قنابل” في محافظ التلاميذ
أعادت الأخطاء المرتكبة في عدد من الكتب المدرسية وشبه المدرسية النقاش حول قطاع النشر والطباعة في الجزائر والتي ما تزال تخضع لهوى السوق والفوضى رغم صدور قانون للكتاب منذ عام تقريبا وهو القانون الذي أقر بعد مصادقة البرلمان بغرفتيه، “إخضاع” طبع ونشر واستيراد الكتاب شبه المدرسي وتسويقه إلى ترخيص من وزارة التربية.
كما أقرت المادة 16 من نفس القانون فتح المجال أمام الخواص في مجال الكتاب المدرسي، حيث “تتكفل الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية بنشر الكتاب المدرسي وطبعه وتسويقه” مع إمكانية “فتح هذه النشاطات للأشخاص الطبيعيين والمعنويين”. وقبل صدور المراسيم التنظيمية للقانون التي كان متوقع صدورها في جويلية الفارط والتي تحدد طريقة تطبيق المواد المصادق عليها من طرف نواب الشعب، يبقى سوق الكتاب المدرسي وشبه المدرسي في الجزائر يعيش فوضى عارمة، بل وصار طريقا للثراء وتهريبا للأموال وبث السموم في نفوس الأجيال الصاعدة.
القانون يفرض الشهادة على الطباخ ولا يفرضها على الناشر
قبل الحديث عن واقع الكتاب المدرسي، تبدو مواد قانون الكتاب الأخير مبهمة في شقها المتعلق بتعريف الناشر، حيث يصبح كل من هب ودب من حقه أن يفتح دار نشر، واستغرب أهل الاختصاص من كون جميع القوانين التي تكفل إنشاء الشركات وفتح الاستثمارات تفرض على صاحب الاستثمار أن يكون صاحب شهادة في التخصص.
ويقول محمد بغدادي، مدير منشورات بغدادي: “القانون يفرض على الحلاق والخباز أن يكون صاحب شهادة في اختصاصه، بينما لا يلزم القانون الناشر أن تكون له أي شهادة وهذا غير معقول ـ يقول بغدادي ـ فكيف بالناشر الذي يتعامل مع مواد علمية وثقافية ويتعاطى مع مؤلفين ومثقفين وأصحاب فكر أن يكون أميا؟ حيث تسجل ساحة النشر في الجزائر ناشرين لا يملكون غير شهادة الميلاد”، وأضاف بغدادي لـ”الشروق” أن الكتاب شبه المدرسي حاليا لا يخضع لأي قانون ولا ضابط ولا أي رقابة، بحيث يمكن لكل من هب ودب أن ينشر ما شاء ويطرحه في الأسواق ويقدم للتلميذ والطالب كمادة علمية، بينما هي في أغلبها كتب تحتوي أخطاء لغوية ومعرفية وفي أحسن الحالات تعلم التلميذ والطالب الكسل، بأن تقدم له الحلول جاهزة وينقلها بدون بذل أي مجهود وبالتالي ضياع الهدف الأساسي من أي تمرين وهو شحذ ذهن التلميذ وتعويده على بذل مجهود واكتساب مهارات التحليل والتركيب والاستنتاج.. ناهيك عن المجازر اللغوية والأخطاء المعرفية فهي لا تفيد التلميذ، بل بالعكس تحطم قدراته المعرفية. ويضيف المتحدث، قائلا: هناك “خلط بين الناشر والمطبعي” وأغلب دور النشر عندنا هي مطابع تقدم للتلميذ سموما وهي تساهم بشكل ما في رسوب التلاميذ، لأنها تعلمهم الخمول.
مجازر لغوية وعلمية لا تحصى
وعليه، فإن إعادة طرح مثل هذا المقترح اليوم يعيد طرح نفس الإشكالات من يراقب من، وكيف، وفي أي إطار تتم؟ يؤكد حسان بن نعمان أن الوزارة مسؤولة عن مراقبة الكتاب الموجه لتعليم التلاميذ سواء كان مدرسيا أو شبه مدرسي، ودعا المتحدث إلى العودة إلى ما قبل 2003، حيث شرعت الوزارة في اعتماد الكتب شبه المدرسية، لكن العملية توقفت لدواعي مادية وأخرى تنظيميه تتعلق بموقع اللجنة التي ستتكفل بالعملية، وكيفية دفع مستحقاتها، وأضاف المتحدث قائلا أن الناشر لا يتحمل أي مسؤولية في الأخطاء الصادرة في الكتب، بل الوزارة هي التي تتحمل المسؤولية كاملة مادام هناك لجان بداغوجية توكل لها مهمة التأشير على الكتب قبل إرسالها إلى المطابع.
وحسب بن نعمان أن إعادة طرح مقترح 2004 لتقنين الكتاب المدرسي يتطلب الكثير من الجهود والاستعداد من طرف وزارة التربية لتبني المقترحات السابقة في هذا الاتجاه مع بقاء تقريبا نفس العوائق القانونية والمالية التي سبق أن أعاقت المقترح السابق، لكن يبقى تقنين ورقابة الكتاب شبه المدرسي يقول بن نعمان ضرورة ملحة لوضح حد للفوضى والسموم التي يستهلكها التلاميذ في ظل بقاء مهنة الناشر “غير مقننة” ولا يحددها القانون الحالي بوضوح.
من جهة أخرى، حمل الناشرون الوزارة مسؤولية التسرع التي قادت إلى مهازل الجيل الثاني، فمنذ الإعلان عن فتح المناقصة للخواص تمت العملية في غموض وسط انتقادات كبيرة وجهها الناشرون للوزارة وديوان المطبوعة المدرسية، خاصة ما تعلق منها بالفرق بين الناشر والمطبعي.
وهنا يؤكد محمد بغدادي أن الوزارة كان عليها أن تمنح لنفسها وللناشرين الوقت الكافي لدراسة كافة جوانب الموضوع وتأجيل إطلاق كتب الإصلاحات إلى ما بعد 2017 واختيار الناشرين من ذوي الخبرة مع التفريق بين المطبعي والناشر، ويضيف المتحدث أن الناشر من المفروض هو الذي يقدم كتابه جاهزا للوزارة ليدرس من طرف لجان متخصصة قبل إعطائه تأشيرة الطبع، والناشر هو الذي يبحث عن الطابع وليست الوزارة من تفرضه .
خطأ أطلس الجغرافيا لا يغتفر
مصطفى قلاب، مدير دار الهدي التي طبعت كتاب “أطلس الجغرافيا” الذي احتوى على الفقرة التي اعتبرت أنها تشجع على العرقيات، اعترف أن الدار ارتكبت خطأ لا يغتفر، وقال أن الدار ستسحب الكتاب من السوق تمهيدا لتصححه ونفى قائلا بأن تكون الدار تشتغل بدون لجنة قراءة، مؤكدا أنها تتوفر على 14 دكتورا في مختلف التخصصات تشرف على مراجعة الكتب، لكن يبقى يقول قلاب أنه من الصعب الإحاطة بجميع الأخطاء والتدقيق في جميع الكتب، واعترف قلاب بأن إشراف وزارة التربية على الكتاب شبه المدرسي من شأنه أن يخفف من حجم الأضرار والأخطاء التي تحتويها الكتب.
من جهته، قال مدير منشورات الأنيس السيد لعلالي أن الكادر البشري للمعهد الوطني للبحوث التربوية يبقى غير قادر على ضمان العمل والوفاء باحتياجات كل الناشرين لاعتماد الكتب المطروحة في السوق، والعملية تتطلب لجانا متعددة وإمكانيات ضخمة.
وبالنظر لعجز الوزارة على ضمان كتب مدرسية بدون أخطاء فإن عملية اعتماد الكتاب شبه المدرسي يبقى عملية غير ممكنة واقعيا وغير مضمونة النجاح يقول لعلالي لعدة أسباب أبرزها أولا فقدان المحيط الاجتماعي الثقة في الوزارة ومصداقيتها، خاصة بعد المشاكل الأخيرة ونظرا للشروط التي تفرضها الوزارة والتي تكبد الناشرين خسائر ومصاريف إضافية دون أن تحقق لهم شيئا ومنها إجبار الناشر على تقديم كتاب مطبوع وليس مخطوطا مقابل ألف دينار لكل صفحة لخبراء الوزارة، وفي حال سجلت لجنة الخبراء تحفظات على الكتاب المقدم يكون على الناشر رمي الكتاب وإعادة تقديم نسخة أخرى مطبوعة وهكذا وعن سابق تجربة قال مدير منشورات الأنيس أن اعتماد كتاب التحضيري بـ18 مليون سنتيم واعتماد كتاب للطور المتوسط قد تصل إلى 75 مليون سنتيم.