“الكومبا” التي أرتديها تستفز الرجال
ارتدت”الكومبا” وهي تعلم أنها ستواجه مجتمعا ذكوريا لن يرحم بنيتها الأنثوية في زي الرجال، تعرضت لاعتداءات وسمعت كل أنواع السب والشتم إلا أنها تحدت الجميع في سبيل مهنتها النبيلة، هي امرأة تمثل عشرة رجال حسب شهادات زملائها، الشروق قضت يوما مع أول امرأة عون بمصلحة أمراض النساء والتوليد بمستشفى مصطفى باشا الجامعي وعادت بمعاناة هذه المرأة في مواجهة الجنس الخشن يوميا.
استقبلتنا خليدة زبور امرأة في العقد الرابع من العمر أمام مدخل مصلحة أمراض النساء والتوليد بابتسامة عريضة، وبالرغم من أن بنيتها القوية توحي بأنها امرأة شديدة إلا أن روح التعاون وحسن تعاملها مع المريضات وحتى الزائرين جعلتها تكتسب مكانة في المصلحة، وهذا ما لمسناه طيلة تواجدنا برفقتها، حيث جمعت بين الصرامة في العمل والتصدي لمن يخالف قوانين الزيارة وبين روح المسؤولية والتفاني في عملها والسهر على راحة المريضات، فكانت تؤدي دور عون أمن ودور ممرضة ومختصة نفسانية في آن واحد.
عائلتي عارضت عملي والرجال لا يتقبلون فكرة طردي لهم
أخبرتنا خليدة أن عائلتها لم تتقبل فكرة أن تمارس هذه المهنة، باعتبارها دخيلة على مجتمع يعتبر ذكوريا بامتياز، كما أنها تعد وظيفة لا تليق بالنساء حسب أشقائها بصفة خاصة الذين لم يتقبلوا فكرة أن ترتدي شقيقتهم زي عون أمن”الكومبة”، حيث أكدت لنا أنها لم تتخل عن طموحها رغم ما واجهته.
تعرضت لاعتداء وأسمع السب والشتم يوميا

أن تقتحم المرأة ميدان عمل الرجال ليس بالأمر الهين، فكيف أن ترتدي زيا خاصا بالرجال وتتعامل مع فئات مختلفة من أصناف الجنس الخشن، وهو ما شكل صعوبات جمة لخليدة خلال تعاملها اليومي معهم، حيث قالت إن الكثير من الرجال الذين يرافقون زوجاتهم لا يفهمون طبيعة عملها ويعتبرون أنها تستقصد منعهم من الدخول، قائلة إن البعض منهم يتفهمون الأمر بعد محاولات إقناعهم بأن المصلحة خاصة بالنساء لذا يمنع دخولهم إليها، إلا أنها تقابل صنفا آخر لا يفهم بالمعاملة الحسنة، ومن ثم تتعرض لوابل من السب والشتم لولا تدخل الأعوان الرجال الذين يضطرون في كثير من الأحيان للاستعانة بالشرطة.
وروت لنا خليدة حادثة الاعتداء التي تعرضت لها، لكنها لم تكن من رجل عكس ما كانت تتوقعه دائما بل من امرأة رافقت حاملا جاءت لتلد، وأرادت أن تدخل معها لغرفة الولادة بالقوة وأثناء محاولة منعها، قامت بدفعها وضربها فتحصلت على عجز لمدة 21 يوما وأحيلت المعتدية على وكيل الجمهورية.
امرأة بعشرة رجال اكتسبت محبة المريضات
حسب شهادات زملائها فإن خليدة التي قضت برفقتهم مدة عشر سنوات بهذه المصلحة، تمثل نموذجا للمرأة المتفانية في عملها، فهي تجمع بين الجد والصرامة وبين روح التعاون والحنان مع المريضات، حيث قال لنا “رشيد صالحي” عون أمن إنها وسط أشقائها وأنهم يتأسفون لتصرفات بعض الرجال الذين يريدون احتقارها من خلال تصرفاتهم الخشنة معها، وهو ما لا يتقبله زملاؤها الرجال الذين يقفون لهم بالمرصاد.

أما إحدى الممرضات فقالت إن خليدة تمثل عشرة رجال وهي مثال للمرأة المتفانية والجدية، حيث إنها تمكنت في كثير من الأحيان من التحكم في المصلحة بمفردها في ظل غياب زملائها الرجال أو استفادتهم من عطلهم السنوية، كما أن المريضات وعائلاتهم يحبونها ويحترمونها ويجلبون لها الهدايا أحيانا.
وقاطعتنا خليدة قائلة “أشعر بإحساس رائع وأنا أقدم يد العون للمريضات، خاصة وأن دعاء النوافس مستجاب بإذن الله، لذا فإن عملي يكسبني أجرا يوميا وهو ما يجعلني أتمسك به أكثر.
ستة أعوان نساء قدمن استقالتهن ونحتاج شرطيا معنا
أكدت محدثتنا أن المرأة التي تعمل عون أمن يجب أن تكون واسعة البال وتستطيع تحمل المضايقات اليومية والضغط الذي يرافقها طيلة 12 ساعة تقضيها في المصلحة، وهو ما لم تتحمله بقية زميلاتها اللواتي قدمن استقالاتهن الجماعية وبقيت وحدها كامراة عون أمن في المصلحة، حيث كانت برفقة ستة نساء تخلين عن عملهن بسبب الضغوطات ونظرة المجتمع وكذا عقلية الرجال الجزائريين الذين صعبن عليهن آداء مهامهن.
وفي خضم حديثها إلينا طالبت خليدة بضرورة توفير رجل شرطة برفقتهم لأن الجزائريين أو بعض الأشخاص الذين يقصدون المصلحة لا يفهمون إلا باستعمال القوة، وهي بصفة خاصة كامرأة بحاجة لحماية أثناء عملها اليومي وتعاملها الدائم مع هذه الفئة.
أطرف وأغرب الحوادث التي صادفتها في المصلحة
صادفت خليدة طيلة مدة عملها حالات غريبة وأخرى مرعبة، فيما حملت حوادث أخرى بعض الطرافة، حيث قالت إنها اصطدمت عدة مرات بنساء يحاولن انتحال شخصية المريضة للبقاء معها مدة أطول، حيث دخلت عدة مرات الغرفة لتجدهم يرتدون”البنوار” الخاص بالنافس، إلا أنها تكتشف أنها ليست المريضة.

كما روت حادثة أخرى قالت إنها كانت شاهدة فيها على تطليق رجل لزوجته النافس بسبب إنجابها له الطفلة السادسة، حيث دخلت الغرفة بعد أن نادتها إحدى المريضات وأخبرتها أنها تسمع الصراخ والضرب من الغرفة المجاورة، لتجد الرجل يعتدي على زوجته بالضرب ويلومها لأنها أنجبت الطفلة السادسة، ورغم محاولة خليدة إقناعه بأنها ليست المسؤولة عن جنس الولد، إلا أنه رفض الإنصات لها وأقدم على رمي يمين الطلاق عليها في مصلحة الولادة.
حالة أخرى لعائلة حولت الغرفة إلى مكان للاستجمام، حيث وجدتهم خليدة مفترشين زربية على الأرض ووضعوا كل أنواع الطعام، وهم يتفرجون التلفاز فطلبت منهم أن يجمعوا كل ذلك الطعام ويخرجوا من غرفة المريضة.
وأشارت محدثتنا إلى أن بعض العائلات تحول الغرف الخاصة بمريضاتهن إلى ملكية خاصة، حيث يضعن قفلا في الباب ويغلقنه، وهو ما يتكرر عدة مرات، ما يضطرها في كثير من الأحيان للتدخل ونزع القفل وطرد أفراد العائلة.
وعن حوادث محاولات سرقة الرضع أجابت خليدة أنهم يسهرون على مراقبة كل من يدخل للمصلحة ولا يتركون الغرف الخاصة بحفظ المواليد خالية، بل يجب حراستها بصفة دائمة، حيث أقدموا في بعض المرات على إفشال مخططات محاولات سرقة داخل المصلحة وهذا بفضل تفطن كل الطاقم الساهر على سلامة المريضات والرضع.