-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

اللعب بوصفه معرفة… من الطفولة إلى الملاعب الكبرى !!

اللعب بوصفه معرفة… من الطفولة إلى الملاعب الكبرى !!

لا تظهر الرياضة في تاريخ الإنسان كفعل عضلي صرف، ولا يمكن اختزالها في حركة منضبطة بقوانين ومسافات وزمن محسوب، إذ تتكشف، عند الاقتراب الهادئ منها، بوصفها ثمرة تصور فلسفي عميق تشكّل قبل أن تتشكل العضلات نفسها، تصور حاول الإنسان من خلاله أن يفهم جسده لا كآلة، وإنما كأفق للمعنى، كحدّ للاختبار، وكإمكان للتحمل والسيطرة والانضباط.

من هنا يمكن فهم السر الذي جعل الرياضات الفردية القادمة من الشرق، مثل الجيدو والكاراتي، تنتشر خارج جغرافيتها الأولى محمولة على رصيد رمزي كثيف، حيث يتعلّم الممارس كيف يقيم علاقة متوازنة مع ذاته، مع الخوف، مع الألم، ومع الزمن الداخلي للجسد، فيتحول الفعل الرياضي إلى تمرين أخلاقي صامت تتقاطع فيه الثقة والتركيز والشجاعة والصبر دون ضجيج.

هذا البعد الفلسفي لا يظل حبيس الملاعب أو الصالات، وإنما يتسلل بهدوء إلى عوالم الطفولة، حيث تبدو الألعاب البسيطة وكأنها تمارين أولى على التفكير في الوجود. لعبة الليغو، التي يتعامل معها الأطفال ببراءة ودهشة، تكشف في عمقها عن استعارة كونية عميقة، تستعيد دون إعلان صريح أطروحات المذهب الذري الذي صاغه ديمقريطس حين تخيّل العالم مؤلفا من وحدات صغيرة لا تفنى، تتفكك لتعود فتنتظم في أشكال جديدة. والطفل الذي يهدم بيتا ليصنع منه جسرا، ثم يعيد تفكيكه ليبتكر إنسانا أو مركبة، لا يلعب فقط، وإنما يختبر فكرة الاستمرار في التحول، ويتعلم أن التفكك ليس نقيض الوجود، وأن النهاية ليست سوى لحظة انتقال في مسار أطول.

وعندما نقترب من الرياضات الجماعية، تتكاثف الفلسفة وتغادر حدود الذات لتستقر في فضاء العلاقات، حيث تتحول اللعبة إلى نص معقّد عن التنسيق، والاعتماد المتبادل، وإدارة الزمن والمكان. وكرة القدم، التي تبدو للعين العابرة لعبة شعبية سهلة الالتقاط، تقوم في عمقها على تصور دقيق للعالم، حيث لا يتحقق الفوز عبر المهارة وحدها، وإنما عبر قراءة الفضاء، وفهم الإيقاع، وإدراك العلاقات الخفية بين المواقع، تلك العلاقات التي تجعل كل لاعب نقطة داخل شبكة أوسع، يتحرك فيها المعنى قبل أن تتحرك الأقدام.

داخل هذا الفضاء، تتوزع الأدوار كما تتوزع الوظائف داخل كيان حي، فيغدو الحارس جزءًا من نظام حماية، والدفاع حلقة في سلسلة تنظيم، ووسط الميدان عقلا يوزع الإيقاع، والهجوم ذروة تتويج لمسار طويل من التهيئة والانتظار، فالهدف لا يولد لحظة ملامسة الكرة للشباك، وإنما يتشكل في الخيال قبل ذلك، في تلك اللحظة التي يرى فيها اللاعب ما لم يحدث بعد، ويتخذ قراره انطلاقًا من صورة مستقبلية أكثر مما ينطلق من معطى آني. هذه القدرة على التخيل، سواء أثناء المقابلة أو قبل بدايتها، التي تتكوّن عبر التجربة والوعي والحدس، هي سر اللاعبين الذين يمرون في التاريخ تاركين أثرًا حتى دون أن تحيطهم الأضواء.

في هذا العمق، يُطلب من اللاعب أن يعرف موقعه كما يعرف حدود جسده، وأن يفهم الخطة بوصفها سردية جماعية، وأن يقرأ تحركات الخصم كما تُقرأ لغة غير مكتوبة، وأن يتحسس الثغرات الصغيرة التي يمر منها التغيير، هنا يتراجع الإغراء الفردي، ويتقدم منطق الانسجام، حيث يصبح القرار الصائب وليد إحساس دقيق بالزمن، وبثقل اللحظة، وبما يتيحه السياق من إمكانات.

لهذا يبدو المشهد في كثير من تجارب العالم الثالث محمّلا بمفارقة ثقيلة، فرق تمتلك لاعبين موهوبين، مهاريين، قادرين على الإبهار، ومع ذلك تظل النتائج محدودة، لأن الغائب في الغالب ليس الجهد ولا الرغبة، وإنما ذلك الوعي الفلسفي باللعبة، الإحساس بمتى يتحقق التقدم، ومتى يصبح التراجع حكمة، ومتى يكون التمرير أعمق أثرا من التسديد، وفي غياب هذا الوعي، تتحول المباريات إلى بدايات متكررة، تنطلق بحماس ثم تعود إلى النقطة نفسها وكأن الزمن يدور في حلقة مغلقة.

الرياضة، في هذا الأفق، تظهر بوصفها طريقة في التفكير بقدر ما هي ممارسة جسدية، أسلوبا في قراءة العالم، وتنظيم العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الفعل والغاية، بين اللحظة والمسار، وحين تُفرغ من بعدها الفلسفي، تفقد قدرتها على التراكم، ويغدو الإنجاز حدثا عابرا لا تجربة مستمرة، عندها يصبح السؤال مشروعا، لا على سبيل الاتهام وإنما بدافع القلق المعرفي: إذا كانت الرياضة تفكيرا يتحرك، فأين موقع الفلسفة داخل ملاعبنا، وأين هم الذين يمنحون الجسد حقه في أن يفكّر وبالتالي ليبدع ولينتصر  ؟!.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!