اللقاءات الفلسطينية: من الدوحة إلى الرباط المخاض العسير..
من يتابع الجولات الجديدة من الحوارات الفلسطينية الداخلية والتي رسى آخرها في الرباط المغربية يلاحظ أن طريقة الإشهار عن مواضيعها بدت وكأنها تخضع للنقاش من جديد..
لم تضج القاهرة من السلسلة الطويلة من اللقاءات الثنائية والوطنية التي احتضنتها على مدار السنوات السبع الأخيرة، ثم أدلت الدوحة بدلوها وهكذا حملت إحدى الاتفاقيات بين فتح وحماس اسمها، وساهمت أيضا المملكة العربية السعودية قبل ذلك بالتوصل إلى اتفاق مكة.. حاولت طهران استضافة إحدى جلسات الحوار، لكن المعادلة الإقليمية قد أفشلت تلك المحاولة في مهدها، وإن كان شعب فلسطين يسجل امتنانه لكل من ساهم من ذوي الخلفيات السياسية الطيبة في رأب الصدع الفلسطيني، إلا أن الحالة الفلسطينية ليست قاصرة ولا تحتاج إلى وصاية أو إرشاد نحو المصالحة الوطنية بل تحتاج إلى مشاركة في متطلبات المواجهة مع المحتلين، في سياقه نشير إلى أن الاتفاقيات المبرمة داخليا في قطاع غزة على وجه التحديد كانت أكثر وضوحا في مضمونها، ووصلت درجة الارتباط الوطني بأن ساهم الأسرى في صياغة الوثيقة الأهم عام 2006 قبيل الانقسام بعام، حيث تم تبنيها من قبل المجموع الوطني وأطلق عليها وثيقة الوفاق الوطني، إذا لم يصبح الأمر متعلقا باختلاف سياسي يصعب تفكيكه، واتضح أكثر بعد التطورات التي شهدتها عدة عواصم عربية.
هل يعاد إنتاج المشهد: -منذ بداية الشهر الجاري للعام الجديد 2013 ونحن أمام تكرار ذات الاجتماع وذات النتائج، مكانك راوح، لكن بتواريخ جديدة، تصريحات تفاؤلية تصدر من أعلى المستويات، تصف اللقاءات بالبناءة والمثمرة والإيجابية، بعد ساعات أو أيام قليلة يطل علينا عبر القنوات الفضائية بعض الغربان المنتشية بتحميل الآخر مسلك ما خاطئ، لا أحد يعترف بخطئه مهما كان صغيرا، فقط هناك إبداع بإزاحة المسؤولية عن كاهله، إنه الخطأ بحق القضية الوطنية، وبحق شعبها المكافح الصامد. هكذا شهد يوم 9 جانفي 2013 لقاء قياديا ثنائيا بين الحركتين بحضور الرئيس أبو مازن والسيد خالد مشعل، ولقاء للوفدين كل على حدى مع الرئيس المصري محمد مرسي، تبعه لقاء موسع يوم 12 جانفي 2013 في المغرب ضم عشرة أعضاء قياديين من الحركتين، إضافة إلى عدد من الفصائل الأخرى، وكانت يافطة هذا اللقاء قد حملت عنوان: من أجل تعزيز الدور المصري في تنفيذ الاتفاقيات أو اقتراحات لتنفيذها..”وكان الشكر للمملكة المغربية وعلى رأسها جلالة الملك..” قد تكرر على لسان السيد البردويل مسؤول وفد حركة حماس وغيره..ومن جانب آخر كان قد عقد لقاء يوم 10 جانفي 2013 لممثلي فصائل المقاومة في غزة مع رئيس الحكومة المقالة السيد اسماعيل هنية لمناقشة التطورات في الساحة الفلسطينية وضمنه تم إقرار إعادة فتح مكتب لجنة الانتخابات المركزية التي تسعى إلى تحديث السجل الانتخابي، وهي ليست المرة الأولى التي يعاد بها فتح مكتبها في غزة، وصولا إلى اللقاء الأخير يوم الخميس 17 جانفي 2013 بالقاهرة بين وفدي الحركتين برئاسة الأخوين عزام، أبو مرزوق، والذي أعاد التأكيد على الاتفاقيات السابقة ووضع آلية التنفيذ، سوف يشهد شهر فبراير عدة لقاءات أخرى.
هذه الحيوية والنشاط الفلسطيني المكثف.. لماذا يتعاطى معها الشارع الفلسطيني بنوع من الحذر، وذلك بعد سلسلة التفاؤلات السابقة، ماهي الأسباب الكامنة وراء هذا الإفشال للاتفاقيات المتعددة سواء كانت أسبابا داخلية أو خارجية مع أن المعيقات الداخلية هي الأساس: أولا- المعيقات الداخلية الذاتية:
1-قضية الانتخابات: بالرغم من تعقيدات الوضع الفلسطيني من جانب خضوعه للاحتلال الاستعماري الإجلائي، إلا أن التجربة الفلسطينية قد أفرزت إمكانية اللجوء للخيار الديمقراطي والانتخابي حصرا من أجل تكوين المجلس التشريعي في الضفة الغربية وقطاع غزة، هذا المجلس قد أقر تأسيسه في اتفاقية أوسلو التي وقّعت في البيت الأبيض يوم 13 سبتمبر1993 لكن الطرف الفلسطيني كان قد طوّره في الشكل والمضمون إلى حد ما، في هذا الإطار أنجزت الانتخابات الرئاسية وبعدها التشريعية في جانفي 2006، مع تسجيل أن القانون الانتخابي الخاص بالمجلس التشريعي لايزال يعكس عقلية الهيمنة، حيث لم يتبن قانون التمثيل النسبي بالكامل بل جمع بينه وبين قانون الأغلبية بالتالي يمكن تلخيص التضارب في الموقف من الانتخابات بينهما بالآتي: أ- لاتريد حركة حماس بالمعنى العملي العودة للانتخابات بل تسعى عبر الوقائع التي تفرضها في قطاع غزة باتجاه تكريس وجودها وتعزيز حكمها بعدم تركه تحت أي ظرف، بالتالي رفضت وعرقلت أية خطوات لها علاقة بالانتخابات في قطاع غزة. ب- منذ صيف العام الماضي بدأت حركة فتح تطرح ضرورة إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بمعزل عن توفر الإجماع الوطني وبمعزل عن المصالحة ومواقف حركة حماس، ومن وجهة نظر فتح أن هذا الطريق هو المخرج من المأزق الداخلي، هذا الطرح يعني موضوعيا إجراء الانتخابات بالضفة الغربية فقط مع حل مشكلة تمثيل غزة في المجلس التشريعي” ضمن قوائم مدن الضفة، إن ذلك لو تم تنفيذه لن يخرج الساحة من مأزقها بل سوف يعمق الانقسام أكثر ومن ثم يرسمه إن لم يدفع الأمور إلى وجهة سياسية خطيرة، من جانب آخر لقد شكل هذا الطرح جسرا جديدا لحركة حماس لكي تتملص من الانتخابات.
2- موضوع منظمة التحرير الفلسطينية: هناك إجماع وطني حول ضرورة إعادة بناء مؤسساتها على أساس ديمقراطي، واتخذت قرارات متعددة بهذا الصدد لكنها لم تر نور التطبيق، ربما كان الموقف من إعلان القاهرة الذي صدر في مارس 2005 والذي نص على تشكيل اللجنة القيادية التي تضم الأمناء العامين للقوى إضافة لشخصيات وطنية محددة أبرز دليل على ذلك، بالتالي كنا ولازلنا أمام مواقف: أ- حركة حماس تريد البدء بخطوات المصالحة في منظمة التحرير، بحيث تضمن تواجد ذو ثقل سياسي في مؤسساتها في إطار وضع اليد عليها وليس من خلال إصلاح ديمقراطي.
ب- حركة فتح المتفردة بشكل لا ديمقراطي على كامل مؤسسات منظمة التحرير وفي مقدمتها السفارات الفلسطينية كانت ولازالت ترفض أي مشاركة جادة لشركائها ممن ساهموا في صيانة المنظمة والتصدي للمخاطر التي واجهتها في المراحل النضالية المتعاقبة قبل نشوء حركة حماس، فكيف يمكنها التخلي عن شيء أساسي لصالح الشريك الجديد، هكذا تم إبطال مفعول اللجنة القيادية للمنظمة التي رسمت خارطة طريق لإصلاح المؤسسات.
3-دور أصحاب المصالح التي تبلورت أكثر في الانقسام: – لقد لعبت فئة أصحاب المصالح دورا بات يحكى عنه بالمساهمة في إفشال قرارات المصالحة، ممن تكونت مصالحه الاقتصادية ونمت في مرحلة الانقسام وفي مناخها، وهكذا تم استثمار مواقع النفوذ لتحقيق الكسب غير المشروع يهمه إبقاء الوضع على حاله هنا يجري الحديث على سبيل المثال عن 800 مليونير جديد في غزة يطلق عليهم مليونيرية الأنفاق وغيرها على حساب فقراء وجياع غزة..في الضفة الموضوع أقدم وأصحابه أكثر خبرة، ويكفي الإشارة إلى تقارير هيئة مقاومة الفساد في الضفة الغربية التي يرأسها السيد رفيق والحديث عن أسماء متعددة من أصحاب المسؤوليات هؤلاء لهم دور في عرقلة المصالحة، والخارج له مساهماته أيضا فهدر المال العام في بعض المؤسسات أو بعض السفارات بات تناوله أو الإشارة إليه من المحرمات لأنه من الطابوهات التي يحظر الاقتراب منها، فأشكال وأساليب هدر المال العام باتت متعددة، كما أن أساليب التأثير السلبي غير المباشر على خطوات المصالحة متعددة أيضا.
ثانيا: الضغوطات الخارجية: – إننا أمام قضية محورية مرهقة في نتائجها على القيادة الفلسطينية وعلى شعب فلسطين، وبالذات في ظل عدم وجود اقتصاد وطني مستقل ونام. إنه عنوان يتوجب على كل الأطراف مناقشته والمساهمة في إيجاد مخرج له لأن تأثيره كبير على النواحي المتعددة في حياة الفلسطينيين، هنا يتحمل الوضع العربي مسؤولية في ذلك، بحيث لا يترك أشقاءه عرضة للضغط وللابتزاز للاشتراطات الأمريكية الإسرائيلية التي تمارس بحدة كلما جرى الحديث عن الوحدة والمصالحة أو تم اتخاذ موقف مغاير لرؤيتهما، كما حصل في المعركة السياسية الأخيرة في الأمم المتحدة بتاريخ 29 نوفمبر 2012.
بعد ذلك وقبله يمكن القول إن الاختلاف أو الصراع الداخلي يتركز بالأساس حول تقاسم مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني ولم يعد للاختلاف السياسي أية أهمية بين الفريقين، وبالذات بعد التطورات التي شهدتها منطقتنا.
إن الثغرة الأساسية ذات البعد الاستراتيجي التي ولدت هذا المنحى من التفكير والاختلاف تتمثل في انتقال الوضع الفلسطيني من مرحلة النضال التحرري الوطني والتصادم بكل أشكاله مع المشروع الصهيوني الاستعماري إلى مرحلة مستلزمات الدولة بكل ما يحمله الواقع من تعارض وتصادم مع هذه النقلة.