-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

اللّغة لا علاقة لها بالإلزام وحكمك غير مؤسّس يا دكتور سعدي(الجزء الثاني)

الشروق أونلاين
  • 1012
  • 0
اللّغة لا علاقة لها بالإلزام وحكمك غير مؤسّس يا دكتور سعدي(الجزء الثاني)

… بعد هذه المقدّمة، أودّ أن أذكّرك أخي سعدي بالآتي: أوّلا: إنّ التّعليم في الجزائر قبل الغزو الفرنسي، لم يتكفل به العثمانيون كسلطة، إذ لم تكن لهم وزارة للتعليم، ولا أيّة مؤسسة مكلّفة بهذا القطاع، بل تُرك الميدان مفتوحا للأفراد والجماعات يقيمون ما يشاءون من مؤسسات دينية أو تعليمية. وقد قامت بهذا الدّور الزّوايا والمساجد، التي كان يتعلّم فيها أبناء الجزائريين اللّغة العربية وحفظ القرآن الكريم، إلى جانب علوم أخرى كالعلوم الشّرعية وقواعد اللغة والنّحو والسّيَر والأخبار وغير ذلك.

ثانيا: أَلَم تكن العائلات هي التي تقيم المدارس لأبنائها في القرى والدّواوير، وتُكلف معلمين بتعليمهم، وتوفّر لهم كلّ وسائل عيشهم، ثمّ، أَلَم يُغطّي انتشار التعليم خلال العهد العثماني المدينة والقرية والجبل والصحراء. أَلَم يشهد بذلك أساطين الاستعمار أنفسهم ومنظّريهم. وسرعان ما تراجعخبراءالمحتلّ عن هذا الإقرار، بعد أن أنشأوا ما سميّ بـلجنة الاستكشاف العلمي للجزائرفي عام 1837م، وراحوا يتحاملون على كلّ ما له صلة بثقافة المجتمع بكلّ تمظهراتها، تمهيدا للتمكين للمشروع الذي جاءوا من أجله. وسؤالي إليك يا دكتور هو: هل كان الأولياء خلال العهد العثماني مرغمين على إرسال أبنائهموفي شتّى مناطق الوطنإلى مختلف المؤسّسات التعليمية لتعلّم الإسلام والعربيّة؟

ثالثا:   لقد نظرت كل الأنظمة السياسية المتعاقبة على حكم فرنسا إلى مشروع التعليم على أنّه وسيلة سياسية، وفضاء للمثاقفة، ممّا قد يُمهّد ذلك مع الزّمن لإعادة بناء النّظام المعرفي للمجتمع، وخاصّة ناشئته. وهنا، أطرح سؤالا: هل  كانت العربية إلزاميّة على الجزائريّين في ظلّ الاحتلال الفرنسي؟ وهل تخلّى عنها الجزائريّون حين اعتبرها المحتلّ لغة أجنبية في الجزائر عام 1938م؟ 

ورغم محاولات المحتلّ الفرنسي في استدراج أبناء الجزائر إلى مدرسته الوليدة، إلاّ أنّه فشل في ذلك. وهنا أحيلك أخي سعدي على المرارة التي كان يتجرّعها القيّمون على التعليم آنذاك جرّاء عزوف الجزائريّين الالتحاق بالمدرسة الفرنسية، بل، حتى ما يسمى العربية/الفرنسية، هذه المرارة نستشفّها ممّا يقولهدو بوسي“: “(…) إنّه رغم محاولات الإغراء والصّلوات التي صلّيتها جميعا وملاحظاتي التي أبديتها وما قلته لهم عن النيّة الحسنة للحكومة تجاه أُمّتهم ذهبت أدراج الرياح، ثمّ يفسّر سبب هذا العزوف، فيقول: “(…) إنّه يعود  إلى الاحتياطات التي تُنشئها الأحكام الدّينية المُسبَقة“.

عند قيام الإمبراطوريّة الثّانية، طالب وزير الحرب بإجراء تحقيق حول النتائج الأوليّة لتطبيق المراسيم المتعلّقة بتنظيم تعليم المسلمين. وجاءت التقارير التي تنمّ عن نوع من اليأس، ومنها تقرير جاء فيه: “(…) هناك تحفّظ لدى الطبقات الميسورة في إرسال أبنائها إلى المؤسسات الجديدة، وهو ينحو نحو التقلّص“. ويقول الجنرالدوسال“: “(…) إنّ الشّعب العربي الجزائري، لا يقبل أيّ تعليم آخر غير التّعليم التقليدي، وفي هذه الظّروف، فإنّ ترك هذا الأخير يسوء، يعني، ترك مجموع الشّعب في الجهل، معناه تركه إلى الأبد فريسة للتعصّب والخرافات“.

 إنّ لجوءالأهاليإلى مقاطعة مدرسة المحتلّ، كان الأسلوب الأوحدفي نظرهملمواجهته، وبعبارة أخرى، فهم بين خيارين، إمّا تقبّل المدرسة الوافدة بما تحمله من قيم أراد التّمكين لها في المجتمع، أو التمنّع، وما ينجرّ عنه من ملاحقة وتضييق على مدارسهم. وإذا كان القيّمون على التعليم منالأهاليقد اختاروا الطريق الثاني، فإنّ المحتلّ ظلّ يسعى إلى نشر منظومته التعليمية، إيمانا منه أنّ تحقيق مشروعه الثقافي المأمول، لن يكون إلاّ من خلال فضاء المدرسة، ولو أنّ الثّمار ستُجنى على المدى الطويل. وقد وصفم.إيمريتمآل التعليم في الجزائر: “(…) كان العربي في 1830م يعرف القراءة والكتابة، ولكنّه أصبح يتخبّط في ظلمات الجهل عندما مضى نصف قرن على الاحتلال“.

رابعا: إنّ هذا التوصيف، كان نتاج موقفالأهاليالرّافض للتّعليم تحت سلطة الاحتلال، أو رقابته. وكان القيّمون على التعليم من الأهالي، يدركون غاية المحتلّ عبر فضاء المدرسة، وهي التي نستشفّها من فحوى الرسالة التي وجّهتها اللّجنة المكلّفة بمشروع التعليم في الجزائر إلى وزير الحربدوتبولبتاريخ 23/02/1850م، وقد ورد فيها: “(…) إنّ إعادة التّرميم والإدارة الحسنة للدّراسات الإسلامية المُزدَهرة قبل غزونا، والتي تلاشت بعد مجيئنا نتيجة حرب طويلة لم يكن بالإمكان تجنّبها، يشكّل واجبا، وفي نفس الوقت وسيلة للسيطرة بالنسبة لنا (…)، وإلى جانب هذه المسألة الخطيرة والحسّاسة، هناك مسألة هامّة أخرى، وهي نشر اللّغة الفرنسية في الجزائر(…) إنّ الجيل الذي وجدناه على هذه الأرض الإفريقية منذ 20 سنة، منفصل عنّا بحاجز لا يمكن اجتيازه تقريبا. يجب أن نتوجّه إلى أبنائهم، جيل لا يعرف علما آخر قطّ ماعدا علمنا. إنّ فرنسا عليها مهمّة وإمكانية تلقين هذا الجيل الأفكار الأوروبيّة عبر تعليم سلميّ (…) ومنذ 1830 وتبعا لظروف معروفة تبرّر سلوكنا، هناك جيل بأكمله كبُر خارج تأثيرنا، ولايزال يفلت من ذلك(1).

خامسا: هناك رسالة أخرى للحاكم العامدو غيدونيقول فيها: “(…) لاتزال المدارس الإسلامية يتردّد عليها التلاميذ، خلافا للمدارس العربية الفرنسية، إنّي أتأسّف على هذا الوضع، كما أنّي مرغم على ربط هذه النتيجة المُغضبة لقلّة الحماس لدى مدير مدرسة مستغانم السيدل.ماشويلفي جلب التلاميذ المسلمين(2). وهذا ما دعادو غيدونإلى إلغاء المدارس العربية/الفرنسية ، بتاريخ 03 / 02 / 1872، وطالب بتحويل تجهيزاتها إلى المدارس المُزمَع إقامتها في بلاد القبائل (3).

سادسا: كلّف وزير الحربكورتو” (1871-1873) أكاديمية الجزائر بإعادة تنظيم التعليم بشقّيه، أي المدارس العربية/الفرنسية والمدارس العليا الإسلامية وذلك بتاريخ  18 / 02 / 1873م. وبعد أن قامت الأكاديمية بتشخيص الوضع التعليمي في الجزائر، طالبت في تقريرها بضرورة (إعادة النّظر في الحجم الساعي، المواد المُدرّسةالخ). ومن بين التّعديلات المقترحة على سبيل المثال، تخصيص ساعتين لدراسة القرآن بدلا من ثلاث، وساعة واحدة لدراسة العربية، وخمس ساعات ونصف لمواد أخرى، مثل تعليم الفرنسية، القراءة، الكتابة، الحساب، التاريخ والجغرافيا. من جهة أخرى، اقترح التقرير استبدال كلمة المدارس العربية/الفرنسية، باسم المدارس المختلطة، وذلك نزولا عند رغبة المعمّرين الذين رفضوا التسمية السابقة

يتبع …

هوامش:

1CAOM,22.S/3. Comité consultatif de l_Algérie, rapport adressé au ministre de la guerre, 23/02/1850.

2-CAOM, 22.s/1.Ministère de l_Algérie et des Colonies. Extrait du rapport du préfet d_Oran. Le 30/09/1858.  

3- CAOM, 22.s/3. Rapport de l_académie d_Alger au  gouverneur civil de l_Algérie, le 05/04/1873

 

* أستاذ بجامعة أبو القاسم سعد الله/الجزائر

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • sadek

    إلي الأخ الكريم
    bibi 44
    الملاحظة التي قالها سعيد سادي لم تكن بريئة و بالتالي فهي تحتاج إلى قراءة نقدية بناءة تنير عقول الجزائريين حتى لا ينخدعوا بتصريحات ظاهرها إن كان منطقيا فباطنها حكم عاطفي يغذيه حقد و بغض للغة الدين الإسلامي كما يوضحه التحليل

  • bibi44

    كلامك جميل و حديثك عن تاريخ التعليم في الجزائر بطريقة أكاديمية ومنهجية وشواهد تاريخية تبين أنك بحثت جيدا في الموضوع وأنت مشكور على ذالك...لكن ما علاقة كل هذا بما يقوله سعدي ,هو قال مجرد ملاحضة صحيحة ومنطقية فكل اللغات المتعامل بها في بلدانها هي مفروضة بقرارات سياسية وما الجديد في هذا .