المؤرخ عمار محند عامر: مجازر 8 ماي 1945 غيّرت فلسفة وأساليب الحركة الوطنية الجزائرية
في هذا الحوار مع “الشروق أونلاين”، يحلّل المؤرخ والباحث في مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (كراسك وهران)، عمار محند عامر، تداعيات مجازر 8 ماي 1945 على مسار الحركة الوطنية الجزائرية، وكيف شكّلت هذه الأحداث الدامية نقطة تحوّل في فلسفتها وأساليب عملها، من النضال السياسي إلى الكفاح المسلح. كما تناول التعتيم الإعلامي الدولي على هذه الجريمة، وأسباب التماطل الرسمي الفرنسي في الاعتراف بها رغم مرور ثمانية عقود.
الشروق أونلاين: ما الذي مثلته مجازر 8 ماي 1945 في تاريخ الحركة الوطنية؟
عمار محند عامر: كانت المجازر الجماعية التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي ضد المدنيين الجزائريين في ماي 1945 نقطة تحول رئيسية في فلسفة الحركة الوطنية وأساليب عملها. فمنذ تلك الفترة التاريخية، أصبح المسار السياسي السلمي الذي اتبعه مناضلو حزب الشعب الجزائري من أجل الاستقلال، محل اعتراض صريح من طرف بعض مناضليه وقادته. ونتيجة لذلك، أصبحت فكرة عسكرة الكفاح ضد الاستعمار مسارا بديلا للعمل النضالي و الثوري، تبلورت أولا في تشكيل المنظمة الخاصة، ثم جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني.
ما هو الدور الذي لعبته هذه المجازر في تخلي بعض المناضلين عن الفكر الاصلاحي أو الادماجي في الحركة الوطنية والاتجاه نحو الكفاح المسلح؟
بادئ ذي بدء، من المهم التأكيد على أهمية استخدام مفهومي الإصلاح والادماج في سياقهما التاريخي، مع الأخذ بعين الاعتبار التعقيدات والرهانات السياسية في ذلك الوقت.
ومن المهم أيضا أن نربط بين ما حدث في ماي 1945 والزخم السياسي والاجتماعي غير العادي الذي أحدثه أصدقاء البيان الجزائري. وينبغي أن نذكر أن هذا التنظيم الهائل جمع الجزائريين من جميع التيارات السياسية للحركة الوطنية.
هذان الحدثان الرئيسيان في تاريخ الحركة الوطنية يمكن أن يفسرا التحول من النضال السياسي والانتخابي إلى الخيار المسلح.

غلاف كتاب “مجازر 8 ماي 1945: خطاب الصحافة الاستعمارية”، للباحث عمار محند عامر. منشورات سيديا.
ماذا عن الرأي العام الدولي آنذاك، كيف تفاعل مع تلك المجازر وكيف أثّرت على نظرته لما كان يحدث في الجزائر؟
في عام 1945، نجحت فرنسا الرسمية ووسائل إعلامها في إبعاد المجازر عن وسائل الإعلام الدولية. و قد تم إجراء تحقيق (تقرير توبير) انذاك، ولكن لم يكن له تأثير يذكر على الرأي العام الفرنسي والعالمي. في ذلك الوقت، تم إعطاء أهمية أكبر ليوم 8 ماي 1945 الآخر، وهو يوم انتصار الحلفاء على النازية.
رغم فظاعة هذه المجازر التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي، لا تزال السلطات الرسمية الفرنسية تماطل في الاعتراف بها، حتى مع مطالبة عدد من المؤرخين الفرنسيين بذلك، وهذه المجازر لا تزال مجهولة لدى كثير من الفرنسيين. في رأيك، ما سبب هذا التماطل الرسمي الفرنسي؟
في فرنسا، لا يعتبر جزء كبير من الطبقة السياسية الاستعمار جريمة ضد الإنسانية أو فترة غير مشرفة في تاريخ البلاد. ويفسر هذا الواقع، التي استمر منذ الاستقلال، رفض فرنسا الرسمية عن الاعتراف بمسؤوليتها عن المجازر التي تعرض لها الشعب الجزائري. على العكس من ذلك، أصدر البرلمان الفرنسي قانونًا في عام 2005 يعترف بمزايا الاستعمار. واخيرا تعد “حرب الجزائر” قضية سياسية وانتخابية، لا سيما بالنسبة للأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة.