المال السايب يعلم السرقة!
التعليمات والأوامر الشفهية والمكتوبة المتهاطلة بغزارة على البلديات، من أجل شدّ الحزام أكثر وترشيد النفقات ومتابعة إجراءات التقشف بطريقة أكثر صرامة، هي في الحقيقة ضربة موجعة أيضا للمنتخبين وحتى الإداريين و”جماعتهم” ممّن تعوّدوا على الغرف من “ملك البايلك” باسم القانون والصفقات، حتى وإن كان ذلك تحت الطاولة!
مواصلة غلق الحنفيات ومنابع التمويل، سيُنقص دون شك، من “فوائد” أفراد وجماعات “والفو” الأكل بالمجالس “المخلية”، من خلال التدليس والتزوير والنصب والنهب وممارسة الاحتيال بكلّ وسائله وطرقه، المعروفة وغير المعروفة، ولا داعي هنا لذكر الأمثلة البائسة المتعلقة بتضخيم الفواتير وسرقة وصولات البنزين والتلاعب بأثمان قطع غيار حظائر البلديات، والمطاعم المدرسية، ومختلف الأشغال الثانوية في القرى والمداشر!
لا يجب تعميم التهمة والشبهة، لكن ما تنقله شهادات واعترافات وتحقيقات ومحاكمات، سابقة ولاحقة، لعدد من المنتخبين و”حاشيتهم” المستفيدة من الريع، تؤكد بالجملة والتجزئة أن “الموس وصل للعظم” في الكثير من البلديات، التي تحوّل فيها منتخبون إلى أثرياء.. طبعا ليس بأجرتهم الحلال، ولكن بالمال الحرام الذي توزع بين رشاوى وعمولات و”تشيبا”!
لا داعي للعمليات الحسابية، التي تكشف بسهولة مصدر ثراء بعض الأميار والمنتخبين، السابقين منهم واللاحقين، الأحياء والأموات، لكن معطيات دقيقات واستنتاجات للأسف تبقى مجرّد “كلام مقاهي”، تعطي الانطباع أن البعض من “ممثلي الشعب” استفاد بالطول والعرض من “طورطة” مسمومة، عن طريق اللعب والتلاعب والخداع والتحايل والتواطؤ أيضا!
لو انشغل المواطنون، بشكل معمّق ولصيق، بتجاوزات بعض منتخبيهم عبر البلديات، لانقلب السحر على الساحر، ولانفضح أمر “الباندية”، وظهرت الكثير من الحقائق، ودخل الكثير من المتجاوزين والمتورطين أسوار السجون، ولاحقهم سؤال “من أين لك هذا”، وفضحتهم إجاباتهم التي تقتضي في عمومها فتح تحقيقات تكميلية لم ينج منها إلاّ “طويل العمر وقاسح الكبدة”!
مصيبة العديد من البلديات، في الجزائر العميقة، هي في بعض أميارها ومنتخبيها، الذين عقدوا العزم على إفلاسها، أو على الأقلّ “سرقتها بالقانون”، وأخطر ما في هذه السرقة المنظمة، هو اعتقاد هؤلاء الخارجين عن القانون، بأنهم يأخذون “حقهم” بأيديهم وأرجلهم، وأنهم يسابقون الزمن لملء أرصدتهم وبناء قصورهم و”فخفخة” أبنائهم بالمال السايب!
نعم، “المال السايب يعلم السرقة”، ولذلك يتعرّض منتفعون بالبلديات المسكينة إلى نوبات قلبية، إثر وصول تعليمات الحساب والعقاب، فاللهم لا تؤاخذنا بما فعله السفهاء منـّا وبنا ببلدياتنا!