“المال السياسي” يدافع عن مصالحه!
عزّز قرار إسقاط الضريبة على الثروة، التي اقترحتها الحكومة في مشروع قانون المالية لسنة 2018، أطروحة اختلاط المال بالسياسة، وهي المسألة التي كانت محل جدل سياسي وإعلامي كبيرين خلال الأشهر الأخيرة، تجسد من خلال مطالب بالفصل بين الإثنين.
الضريبة على الثروة كانت من بين المحاور التي بنت عليها حكومة أويحيى مخطط عملها كما هو معلوم، وقد خلف هذا المقترح تجاوبا من قبل النواب وعموم الرأي العام، انطلاقا من قناعة مفادها أن قرارا من هذا القبيل، يضع جميع الجزائريين تحت سقف واحد من المساواة.
غير أن لجنة المالية بالمجلس الشعبي الوطني وقفت بالمرصاد ضد المقترح، وقررت إسقاطه قبل تحويله إلى الجلسة العلنية للمصادقة عليه، وهو قرار يمكن تفسيره بوجود إرادة سياسية تنزع نحو التراجع عن المقترح، لأن الجهة التي اقترحت الضريبة هي الحكومة التي يفترض أنها مدعومة بأغلبية ساحقة من النواب (الممثلين لكل من حزب جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي و”تاج” والحركة الشعبية والتحالف الجمهوري)، تمكنها من تمرير هذه الضريبة بأريحية في قانون المالية للسنة المقبلة.
ويمكن قراءة إسقاط المادة المتعلقة بالضريبة على الثورة في قانون المالية على مستوى لجنة المالية، بالتوجّس من احتمال حصولها على نصاب المرور (50 بالمائة زائد واحد) في حال عرضها على النواب للتصويت، لأن الضريبة على الثروة تنطوي على قابلية حتى لدى النواب المحسوبين على أحزاب الموالاة، ولذلك تم إسقاطها مسبقا، تفاديا لحصول مفاجآت غير سارة لمن يريدون إسقاطها.
وأيا كانت التبريرات التي قدمت أو ستقدم لإسقاط مقترح فرض ضريبة على الثروة، والتي تمثلت حسب بعض التسريبات، في الخوف من هروب الأموال نحو الخارج، أو لعدم وجود آليات وأدوات قادرة على حصر الثروة وتحصيل نسب منها في صورة ضريبة، إلا أن إسقاط هذه الضريبة يؤشر على العديد من القراءات، أولها أن المال السياسي وصل مستوى من التسلق والتسلل إلى مفاصل الدولة، أصبح معها قادرا على اعتراض القوانين والتشريعات التي قد تؤثر على مصالحه، في غرف صناعتها.
القراءة الثانية تنطلق مما عرف بـ” أحداث الزيت والسكر” في جانفي 2011، والتي كادت تلحق الجزائر بدول “الربيع العربي”، والتي جاءت في أعقاب فرض حكومة أويحيى حينها، اعتماد الفواتير في المعاملات التجارية التي تفوق 50 مليون سنتيم، وهو القرار الذي سقط لتوه في أعقاب تلك الأحداث، وتستمد هذه القراءة من تصريح أويحيى قبل يومين، الذي تحدث فيه عن عودة “جماعة الزيت والسكر”، كما قال، في إشارة إلى الرافضين لفرض الضريبة على الثروة.
وكانت الحملة الانتخابية لتشريعيات الربيع المنصرم، قد شهدت سجالا واتهامات بين العديد من أطراف المعادلة السياسية، حول توظيف “الشكارة”، أو “المال السياسي” في العملية الانتخابية، وقد وقف الجميع على تصدر العشرات من أصحاب رؤوس الأموال الضخمة، قوائم أحزاب كبيرة في تلك الانتخابات، وهم اليوم نوابا بالغرفة السفلى للبرلمان.