زحفوا على مراكز البريد بعد دخول الزيادات حيز التنفيذ
المتقاعدون.. لقد هرمنا من أجل قبض الزيادة في المعاشات
تصوير : علاء.ب
… لم يُصدق وهو ينتظر دوره في طابور مركز البريد بحسين داي أنه بعد طول انتظار وصلت الزيادة في معاشه … حتى إن كانت مُتواضعة، لكنه رد علينا بقناعة قائلا : “… 1000 دينار فيها بركة تكفي لشراء صفيحة زيت ..”، يقاطعه آخر : الحمد لله عشنا حتى نلمس بأيدينا هذه الزيادة التاريخية”.
- عقارب الساعة كانت تشير إلى التاسعة و20 دقيقة عندما وصلنا لمركز حسين داي بالرغم من شساعته وتنظيمه المحكم يعج بكبار السن، وكعادتهم يرفضون أن يستلموا أجورهم عن طريق البطاقات المغناطيسية، وكأنهم لا يثقون بها أم أنهم أرادوا الشعور الفعلي أن الزيادات دخلت حساباتهم البريدية.
فاجأني أحد هؤلاء المتقاعدين بأن أدون له المعلومات على صكه البريدي، كان يحمل عصا في يديه ويضع نظارات طبية، دونت له على الشيك بياناته وكتبت له المبلغ الذي سيسحبه والمقدر بـ 10 آلاف دينار، اغتنمت الفرصة وسألته : “… هل تأكدت أن الزيادة دخلت حسابك ..”، رد علي مبتسما قائلا: ”أكيد لقد كان راتبي يُقدر بـ 11 ألف دينار وأصبح الآن يقدر بـ 15 ألف دينار.”.
لا ثقة في البطاقات المغناطيسية
داخل مركز البريد بحسين داي اقتربنا من مجموعة من الشيوخ كانوا ينتظرون دورهم، كان من بينهم شيخ ذو لحية بيضاء يقرأ إحدى الجرائد الرياضية، سألناه عن الزيادة رد بتحفظ شديد قائلا: “… زيادة متواضعة لكنها تكفي الحمد لله كنا نعتقد أنها وعود كاذبة …”. يقاطعه شيخ آخر قائلا: “أنا لم يحن دوري بعد، لن أصدق حتى أرى الزيادات دخلت حسابي “. صوته المرتفع جلب بعض الفضوليين يرد أحدهم قائلا : ” … هناك زيادة في معاشاتنا .. الحكومة لم تكذب هذه المرة”.
داخل مراكز البريد لاحظنا عددا كبيرا من المتقاعدين يرفضون سحب رواتبهم عن طريق البطاقات المغناطيسية، ليس لأنهم لا يعرفون أو أميون، فالكثير منهم، يعتقد أن الآلة لا تمنحه معاشه كاملا يقول أحدهم قائلا: ” ..أسحب معاشي من الموظفين وعن طريق الشيك سيما هذا اليوم أريد أن أتأكد فعلا أن الزيادة دخلت حسابي”.
لحظة دخولنا إلى المركز كان دورنا يشير إلى الرقم 686 فيما كان الرقم المدون والذي يشير إلى دور الشخص 317، ومع ذلك يبقى المتقاعدون ينتظرون كل هذا الطابور، فيما كان عدد الأشخاص أمام آلة السحب لا يزيد عن العشر أشخاص.
زيادات متواضعة… فيها بركة
بقناعة كبيرة حدثنا الكثير من المتقاعدين عن رضاهم بهذه الزيادات، حتى وإن كان المبلغ لا يزيد عن 30 بالمائة ممن تقل معاشتهم عن 15 ألف دينار، التقينا بعمي السعيد 64 عاما، مثقف وقارئ وفيّ للشروق رد علينا قائلا: “عملت 12 عاما كبناء في البلدية، راتبي لم يزد عن 9 آلاف دينار، قبل أن أصبح حارسا في إحدى المدارس الابتدائية، وطيلة مدة عملي كحارس لم يزد راتبي عن 11 ألف دينار، إلا أن أحلت على التقاعد … معاشي الذي سأسحبه يقدر بـ 15 ألف دينار، … الحمد لله المعاش سيكفي ليضمن لي ما تبقى من العمر ..”.
متقاعدو زمن الخوصصة يلتقون لقبض المعاشات
ما يلاحظ في هذا المركز العتيق ذي الهندسة العثمانية الباهرة، تلك الفئات النادرة من المتقاعدين إن صح التعبير، وهم متقاعدون لشركات عمومية لم تعد موجودة، لكن عندما تلتقي بهم يذكرونك بسنوات الزمن الجميل.
عمي أحمد واحد من الذين قضى شبابه بسوق الفلاح سنوات السبعينيات والثمانينيات يتحدث بأسى عن معاشه القليل يضرب كفيه قائلا متهكما: “… لقد هرمنا أمام هذه اللحظة التاريخية …”، بالرغم من عدم رضاه على معاشه الذي وصفه بالبقشيش إلا أنه ختم قائلا: “… كلما أصرف معاشي يُذكرني بسوق الفلاح الذي عملت به فمعاشي هذا فيه بركة وبنة خاصة …”.
التقينا بمركز البريد بالقبة الحاج محمد، كان في وقت سابق إطارا بمؤسسة “إكوتاكس” أو المؤسسة الوطنية للقطن والنسيج، كان راضيا وناقما في نفس الوقت، غير أن سخطه كان بسبب عدم رضاه على مؤسسته التي تعرضت للخوصصة وهو الآن يقبض معاش مؤسسة اندثرت، كما قال لنا “.. بقات غير الريحة” يسحب من جيبه قصاصة بيانات مركز البريد التي تشير إلى دخول الزيادات حيز التنفيذ، استغربنا كيف أنه لم يسحبها، ليرد قائلا: الحمد لله أولادي لم يحرموني من شيء …”.
وفيما شكل زحف المتقاعدين أمس على مراكز البريد حدثا بسبب صب الزيادات في معاشهم، بدا بعض زبائن مراكز البريد ساخطين على حالة الطوابير … وعلق أحد موظفي مركز البريد بالقبة قائلا: “… أيام 20 و21 و22 هي أكثر الأيام التي نتعب فيها بالشهر.