“المحجوبة” احتلت المركز 12 عالميا والأولى صيفا وشتاء
لم تعد أكلة “المحجوبة”، أو ما يُعرف محليا عند الشاوية، وفي العديد من مناطق ولاية أم البواقي باسم “كسرة الشحمة”، مجرد وجبة تقليدية تتناولها العائلات داخل المنازل، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة، إلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية لافتة للانتباه، بعدما غزت مختلف الأحياء والتجمعات السكانية والأسواق الشعبية والعصرية، والساحات العمومية، وأصبحت حاضرة بقوة في معظم المطاعم ومحلات الأكل السريع عبر مدن عين فكرون، عين مليلة، عين البيضاء، فكرينة، مسكيانة وغيرها من بلديات الولاية.
تتميز هذه الوجبة الشعبية بسهولة إعدادها وتكلفتها البسيطة، فضلا عن مذاقها الذي يجمع بين الأصالة والنكهة المحلية، ما جعلها تحظى بإقبال واسع من مختلف الشرائح العمرية، خاصة فئة الشباب والعمال والطلبة والمسافرين، الذين يجدون فيها وجبة سريعة ومشبعة بأسعار في متناول الجميع.
أكلة متجذرة في الذاكرة الشعبية
تُحضّر “المحجوبة” أساسا من عجينة السميد الرقيقة التي تُفرد بعناية، ثم تُحشى بخليط من البصل والطماطم والثوم والتوابل المختلفة، قبل أن تُطهى فوق صفيحة ساخنة، ومع مرور الوقت شهدت هذه الأكلة تطورا كبيرا، حيث أضيفت إليها مكونات جديدة استجابة لأذواق المستهلكين، مثل اللحم المفروم، ومختلف أنواع الأجبان، والتونة، وأحيانا بعض الإضافات العصرية التي منحتها نكهات متنوعة دون أن تفقد هويتها التقليدية، ويؤكد العديد من المواطنين أن سر نجاح المحجوبة أو كسرة الشحمة، يعود إلى كونها تجمع بين البساطة والطعم اللذيذ والسعر المقبول، فضلا عن إمكانية تناولها في أي وقت من اليوم.
وفي جولة قادتنا عبر عدد من أحياء مدن عين مليلة، عين البيضاء، وعين فكرون كشفت حجم الانتشار الذي عرفته هذه الوجبة، حيث يكاد لا يخلو حي سكني أو سوق شعبي أو فضاء عمومي من طاولة صغيرة أو عربة متنقلة يقف خلفها شاب يقوم بإعداد المحجوبة أمام الزبائن، ومع هذه الأيام، أو بشكل عام، في فصل الصيف تحديدا، يزداد الإقبال على هذه الوجبة بشكل ملحوظ، خاصة خلال الفترة المسائية، حيث تتحول بعض الأرصفة والساحات إلى نقاط تجمع للعائلات والشباب الباحثين عن وجبة خفيفة بسعر مقبول قد ينزل إلى 100 دج قبل العودة إلى منازلهم.
ويلاحظ المتجول في هذه المدن أن الكثير من الشباب وجدوا في بيع المحجوبة فرصة حقيقية لتحقيق دخل يومي، في ظل محدودية فرص العمل، حيث لا يتطلب المشروع سوى معدات بسيطة ومساحة صغيرة وبعض الخبرة في إعداد العجينة والحشوة.
أسعار تناسب مختلف الفئات
وتتراوح أسعار “المحجوبة” العادية ما بين 40 و70 دينارا جزائريا، بحسب الحجم والمكونات المستعملة، بينما ترتفع إلى ما بين 120 و150 دينار، عندما تحتوي على اللحم المفروم أو التونة أو أنواع مختلفة من الجبن. ويرى المستهلكون أن هذه الأسعار تبقى مناسبة مقارنة بوجبات أخرى تعرف ارتفاعا متواصلا في الأسعار، لاسيما مع أشهر الصيف، وهو ما يفسر استمرار الطلب عليها بشكل يومي.
يقول عبد القادر، عامل يومي من مدينة عين مليلة، إن “المحجوبة” أصبحت جزءا من برنامجه الغذائي اليومي، مضيفا: عندما أكون في العمل ولا أجد وقتا للعودة إلى المنزل، أتوجه مباشرة إلى أحد باعة المحجوبة، سعرها معقول وتشبع الإنسان لساعات طويلة، وسهلة الإعداد، لا تأخذ وقتا طويلا.
أما ة فاطمة من مدينة عين البيضاء، فتؤكد أن هذه الأكلة لا تزال محافظة على مكانتها رغم ظهور العديد من الوجبات السريعة، قائلة: أبنائي يفضلونها على كثير من المأكولات الحديثة، طبعا مع إضافة الجبن لها، لأنها تجمع بين الطعم التقليدي والمكونات الطبيعية.
ومن جهته، يرى الشاب أيمن، طالب جامعي من عين فكرون، أن “المحجوبة” أصبحت رمزا من رموز المطبخ الشعبي المحلي، موضحا أنه حتى الزوار الذين يأتون من ولايات أخرى يسألون عنها، فقد أصبحت علامة مميزة للمنطقة.
أما ة نوال من فكرينة، فتؤكد أن أسعارها المشجعة تجعلها في متناول الجميع، مضيفة، أنه بمبلغ بسيط يمكن شراء وجبة ساخنة ولذيذة، وهذا أمر مهم بالنسبة للعائلات ذات الدخل المحدود.
العديد من الشباب الذين التقتهم “الشروق اليومي”، أكدوا أن مشروع بيع المحجوبة ساعدهم على تحقيق استقلالية مالية ومواجهة البطالة، ويقول الشاب محمد، صاحب طاولة لبيع المحجوبة بعين البيضاء: بدأت المشروع بإمكانات بسيطة جدا، ومع مرور الوقت أصبح لدي زبائن دائمون، الطلب كبير خاصة في المساء ومع نهاية الأسبوع، بل أكثر مع العطل الصيفية.
أما يوسف من مسكيانة، فأوضح أن سر النجاح يكمن في المحافظة على الجودة والنظافة وحسن التعامل مع الزبائن، مؤكدا أن المنافسة أصبحت كبيرة بسبب تزايد عدد الباعة.
من وجبة منزلية إلى موروث اقتصادي واجتماعي
ويرى الشاف حفيظ من قسنطينة، أن الانتشار الكبير للمحجوبة يعكس قدرة المطبخ الجزائري التقليدي، على التكيف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية، حيث تحولت هذه الوجبة من طبق منزلي بسيط كانت تحضره الأمهات والجدات إلى نشاط تجاري يوفر مناصب شغل ومداخيل لعشرات الشباب عبر مختلف بلديات ولاية أم البواقي.
ومع استمرار الإقبال عليها وتنوع طرق إعدادها، تبدو “كسرة الشحوم” مرشحة للحفاظ على مكانتها كواحدة من أكثر الوجبات الشعبية حضورا في الشارع الأم البواقي، لتبقى شاهدا على ارتباط السكان بموروثهم الغذائي الأصيل، وعلى قدرة الوصفات التقليدية على الصمود أمام زحف الوجبات العصرية والسريعة.
يحدث هذا مع المحجوبة التي احتلت المرتبة 12 عالميا في فئة أفضل مخبوزات عالمية، مكنتها من أن تصبح طبق الشتاء والصيف بعد أن انتقلت من الأسواق الشعبية إلى الفنادق الفخمة ومنها إلى خارج الوطن.