المخطوط العلمي في الجزائر… يستغيث!
هذا الواقع هو الذي دفع فرقة “علم المخطوط ومناهج التحقيق” في مخبر قضايا الأدب والثقافة الشعبية والترجمة بجامعة الجلفة، تحت إشراف رئيس الفرقة الأستاذ الطيب بلعدل، وبالتنسيق مع المجمع الجزائري للغة العربية، إلى تنظيم ملتقى علمي يومي 2 و 3 ماي حول “المخطوطات العلمية في العصر العثماني”. وقد جاءت هذه المبادرة العلمية لتؤكد أن هذا الحقل المعرفي ما يزال بحاجة إلى عناية خاصة وجهد جماعي منسّق، بالنظر إلى ما تكشفه المخطوطات من ثراء علمي وتنوع معرفي يستدعي تضافر جهود الباحثين في مختلف التخصصات.
1. ضرورة فهرسة هذه المخطوطات
وقد أبرزت أشغال الملتقى أن هذه المخطوطات، المتناثرة في ربوع الوطن وخارجه، لا تزال في حاجة ماسة إلى الفهرسة الدقيقة والدراسة العلمية والتحقيق الرصين. وفي هذا السياق، شكّل اللقاء فضاءً علميا لتبادل الخبرات بين الباحثين وفتح آفاق جديدة للبحث في التراث العلمي المخطوط. شارك في هذا الملتقى نحو 20 متدخلاً قدموا من عديد الجامعات الوطنية، تنوعت تخصصاتهم بين التاريخ والأدب والفلك والرياضيات والطب.
وكما جرت العادة، افتُتح الملتقى بكلمات ترحيبية ألقاها كلٌّ من رئيس الجامعة وعميد كلية الآداب واللغات التي احتضنت فعاليات هذا اللقاء، إضافة إلى رئيس الملتقى الأستاذ نور الدين علوي حيث أكّد المتدخلون أهمية العناية بالتراث العلمي الوطني وضرورة إعادة الاعتبار للمخطوطات الجزائرية بوصفها جزءًا أصيلًا من الذاكرة الحضارية للبلاد.
وبعد ذلك، أُفسح المجال لرئيس المجمع الجزائري للغة العربية الأستاذ الشريف مريبعي الذي أشار في كلمته إلى ضعف اهتمام جلّ الباحثين المشارقة بتحقيق المخطوطات المغاربية، خصوصًا تلك التي تعود إلى ما يُعرف بعصر الانحطاط، موضحًا أن هذا “الانحطاط” كان سياسيًا بالدرجة الأولى، بينما ظلت الحركة العلمية نشطة. والدليل على ذلك الكمّ الكبير من المخطوطات العلمية والمعاجم التي وصلتنا من تلك المرحلة. وأكد أن من واجب الباحثين اليوم نفض الغبار عن هذه الكنوز المعرفية، خاصة المخطوطات العلمية التي تزخر بها الخزائن الجزائرية.
ثم قدّم رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة، الأستاذ مصطفى خياط، مداخلة حول التراث الطبي في الجزائر خلال العهد العثماني، ركّز فيها على ما تعرّض له هذا التراث من تهميش خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية، موضحًا كيف جرى إبراز الآثار الرومانية مقابل طمس كثير من تراث الحضارة العثمانية، لا سيما ما تعلق منها بالرعاية الصحية والتنظيم الطبي. واستشهد في ذلك بأرقام ومعطيات وثّق جانبًا منها في بعض مؤلفاته.
وفي الجلسة الموالية، تواصلت المداخلات العلمية الثرية بمساهمات متميزة لكل من الأساتذة محمد السعيد مولاي، وعبد الله لعريبي، ومقتدر زروقي حيث تنوعت المواضيع بين تاريخ العلوم، وفلسفة المعرفة، والمخطوطات العلمية الجزائرية. وهكذا تناول الأستاذ محمد السعيد مولاي المناهج العلمية عند العلماء المسلمين، متوقفًا عند استفراد ابن الهيثم في نقد المنطق الأرسطي السائد في عصره، إذ بيّن كيف دافع ابن الهيثم عن تصور مغاير للمعرفة أدى إلى المزاوجة بين العقلانية والوجدانية.
أما الأستاذ عبد الله لعريبي، فقد غاص في عمل بديع الزمان الجزري (ت. 602 ه)، مستخلصًا المعادلة: “العبقرية=الاستعداد الفردي + البيئة المحفزة”، ومؤكدًا أن توفير بيئة علمية حاضنة للكفاءات الوطنية يبقى من أهم التحديات التي تواجه البلاد اليوم. ومن جهته، أعاد الأستاذ مقتدر زروقي الحضور إلى عالم المخطوطات من خلال حديثه عن الرياضياتي الجزائري ابن حمزة (القرن 16م) ومخطوطه الشهير “تحفة الأعداد لذوي الرشد والسداد”، المكتوب باللغة العثمانية، والذي لا يزال، رغم قيمته العلمية الكبيرة، في انتظار التحقيق والتعريب. كما قدّم الأستاذ أحمد قريق أحسين (مرصد الجزائر ببوزريعة) عرضًا حول مشروع فهرسة المخطوطات الفلكية في الجزائر الذي يشرف عليه مع فريقه منذ قرابة عشرين سنة، وقد أحرزوا فيه تقدمًا معتبرًا.
2. واد مزاب: جمعيات تُعنى بالتراث المخطوط
ومن المداخلات التي أثارت اهتمام الحاضرين تلك الموسومة بـ”علم الموسيقى في العصر العثماني بين التدوين والإبداع” قدّمها الأستاذان نور الدين علوي وعبد المجيد فريطيس (جامعة الجلفة) حيث تضمّنت مقارنات صوتية دقيقة بين المقامات الموسيقية في العراق وتركيا والجزائر، مبرزة أوجه التأثير والتقاطع بين هذه المدارس الموسيقية. كما كُشف خلال اللقاء عن مشروع لتحقيق مخطوط لا يزال قيد الإنجاز يشرف عليه الأستاذ عبد الكريم حمو (المركز الوطني للبحث في الأنثروبولوجا الاجتماعية والثقافية). يتعلق الأمر بمخطوط يُنسب إلى عبد الرحمن الثعالبي ويتناول جملة من المسائل الطبية والعلاجية. ومن جهة أخرى، قدّم الأستاذ حصاد عبد الصمد (جامعة المدية) مداخلة حول المؤلفات الطبية لعلماء الغرب الجزائري خلال الفترة العثمانية، مركّزًا على مخطوطات العالم أحمد بن سحنون (ق. 18م) من معسكر، وما تعكسه من تطور في المعارف الطبية والصيدلانية آنذاك.
ومن أبرز المداخلات تلك التي قُدّمت من غرداية. فقد قدّم الأستاذان عبد الفتاح عمّي السعيد وإلياس بابا التجار، من مؤسسة الشيخ عمّي السعيد بغرداية، مداخلتين متكاملتين حيث تناول الأستاذ إلياس بابا التجار موضوع المخطوطات في العلوم العقلية داخل خزائن وادي مزاب، مستعرضًا ما تزخر به من رصيد مخطوطات علمية. أمّا الأستاذ عبد الفتاح عمّي السعيد، فاستعرض رصيد ونشاط الجمعيات المهتمة بالمخطوط والتراث الفكري في منطقة وادي مزاب، مشيرًا إلى عدد من الهيئات الناشطة في هذا المجال، من بينها جمعيات المؤرخ محمد دبوز، وجمعية التراث، وجمعية الشيخ أطفيش لخدمة التراث، إضافة إلى مؤسسة الشيخ عمّي السعيد.
كما عرض الأستاذ بلقاسم ضيف (الجلفة) نماذج متعددة من قائمة طويلة تضم مخطوطات علمية نفيسة محفوظة بالمكتبة الوطنية الجزائرية، وبعدد من الخزائن التركية، إضافة إلى بعض الزوايا العلمية التي أسهمت عبر القرون في صيانة التراث المعرفي الجزائري والعربي الإسلامي. وقد كشفت هذه النماذج عن الثراء العلمي الذي تزخر به تلك المخطوطات في مجالات متعددة. أما الأستاذ محمد بلقاسم الحسني (الجلفة) فتناول بمعية زميله ساهل بوجمعة موضوع إسهامات المخطوط العربي الجزائري في علوم الطبيعة والحياة، مبرزًا ما تتضمنه هذه المخطوطات من معارف دقيقة وملاحظات علمية تعكس حيوية النشاط العلمي بالجزائر عبر مختلف الحقب التاريخية، ودورها في إثراء المعرفة الإنسانية.
3. خيبة الأمل إزاء هذا التباعد
وفي الجلسة الأخيرة تحدث الأستاذ السعيد دربال (الجزائر 2) عن رسالة في الطب النبوي لمحمد بن أحمد الشريف الجزائري (ق.5هـ). وتلاه الأستاذ عبد القادر قوبع (الجلفة) الذي كان من المفروض أن يتناول الاسهامات العلمية لابن حمادوش (ق. 12 هـ)، لكنه لما لاحظ كثرة المداخلات حول هذه الشخصية التاريخية فضل التوغّل في سلسلة من التعقيبات والتعاليق الثرية في مجال المخطوط، وضرورة التمييز بين قيمة المستوى العلمي للمخطوط وبين ضرورة التعريف به في كل الأحوال. أما الأستاذ محمد عزلاوي (الجلفة) فاهتم في مداخلته بمخطوطات المنظومات (الشعرية) العلمية في العصر العثماني. ثم جاء دور الأختين الأستاذتين وسام ونصيرة بن شريط (الجلفة) فتناولت الأولى عمل ابن شقرون التلمساني (ق. 10هـ) الذي كان له باع في علوم المنطق، أم نصيرة فاستعرضت مخطوط “القلادة الجوهرية” لمحمد بن أحمد الصخري (ق.11هـ).
وكدنا ننسى مداخلة الأستاذ الطيب بلعدل التي كانت في الواقع غيضًا من فيضٍ لما يعانيه التقاربُ بين العلوم الدقيقة والعلوم الإنسانية من تعثّر، وما يرافقه من عزوف أهل الآداب عن الاقتراب من العلوم الدقيقة، وعزوف أهل العلوم الدقيقة بدورهم عن الانفتاح على العلوم الإنسانية… الأمر الذي ولّد شعورًا عامًا بخيبة الأمل إزاء هذا التباعد. ومن هنا جاء عنوان دردشته “مقاربة في بناء ثقافة تجسيرية بين مختلف التخصصات”. وبصفته أحد أبرز منظّمي الملتقى، أكّد أنّ اختيار هذا العنوان للملتقى لم يكن اعتباطيًا، بل يعكس سعيَ المنظمين جميعهم إلى ترسيخ هذا التجسير بين الحقول المعرفية المختلفة.
أمّا أبرز توصيات الملتقى، فتمثّلت في الدعوة إلى إطلاق بوابة إلكترونية وطنية تُعنى بالمخطوطات، والعمل على تنظيم دورات تكوينية بمختلف صيغها تُعنى بدراسة المخطوط وتحقيقه والبحث فيه، إلى جانب استحداث مقرّرات دراسية تُعطي للمخطوط مكانته العلمية والثقافية في المسارات الجامعية.
وما لفت الانتباه في ختام الملتقى هو ما عبّر عنه الأستاذ عبد الله لعريبي عندما أشار إلى ضرورة العناية بالتراث والمخطوطات بوصفهما شرطًا من شروط التقدّم، مستعينًا بتشبيه بليغ؛ إذ شبّه ذلك الوضع بالرياضي الذي لا يستطيع تحقيق قفزة بعيدة إلا إذا تراجع خطوات إلى الوراء ليكتسب قوة الانطلاق. وكذلك شأن الأمم، لا يمكنها أن تمضي بعيدًا في بناء مستقبلها ما لم تُحسن العودة إلى جذورها العلمية والحضارية وحسن استثمارها.