-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المدرسة الجزائرية.. من الوثبة إلى النكبة!

عيسى جرّادي
  • 456
  • 0
المدرسة الجزائرية.. من الوثبة إلى النكبة!

ورد وصف “المدرسة المنكوبة” أول مرة على لسان رئيس المجلس الأعلى للدولة الراحل محمد بوضياف (16 جانفي 1992 – 29 جوان 1992)، إشارة منه إلى الوضع المزري للمدرسة -كما تم تشخيصه له وإقناعه به- في سياق تصريحه الشهير “جئتكم اليوم لإنقاذكم وإنقاذ الجزائر”.
تكرر هذا الوصف مرة أخرى -وإن بحدة أقل- على لسان وزير التربية الأسبق “أحمد جبار” الذي أتى به بوضياف في حينه، والذي نفى عن نفسه صفة أن يكون معاديا للوطن (لو لم أكن وطنيا، لما جاء بي الرئيس الراحل بوضياف)، حين سئل عن مدى موضوعية اتهام المدرسة الأساسية بأنها تنتج “الإرهاب، والضعف، والكارثية” فأجاب: (إن كانت المدرسة الجزائرية منكوبة فعلا من ناحية النوعية فإنها لم تبلغ درجة الانهيار)، وأسجِّل في هذا السياق أن هذا الاستشهاد لا يمثل بأي معنى من المعاني اتهاما للمعني، فهو أستاذ غني عن التعريف، وليس في سيرته ما يجيز الطعن فيه.

يكفي هذه المدرسة أنها وفّرت لملايين الجزائريين إعادة اكتشاف ذاتهم الحضارية والإنسانية من جديد، بعد ليل الاستعمار الطويل والبغيض، ومكّنتهم من الارتباط الإيجابي بهويتهم التي تعرّضت لمحاولات التدمير والتشويه، بنيّة إحلال هوية مصطنعة محلها، هدفها النهائي صياغة –ولا أقول بناء– إنسان بلا جذور، مقتلَع من هويته، تائه، وأتاحت إمداد الجزائر بحاجتها من الإطارات في مختلف التخصصات، ولبت احتياجات حيوية للإدارة والاقتصاد بما افتقرت إليه في سنوات الستينيات والسبعينيات، فبأي معيار ومسوغ يمكن إذن أن نتحدث عن “مدرسة منكوبة”؟

كما تم تداول هذا الوصف في أدبيات الإعلام المكتوب وتحديدا في فترة التسعينيات، على غرار الحديث عن (الأطروحات السائدة، التي تعزز طرحها بخصوص نكبة المدرسة)، وهذه إشارة واضحة إلى نكبة المدرسة، ثم اتهام هذه المدرسة بأنها (لم تواكب الدفع العصراني والتحديثي الذي يعرفه العالم حاليا، إنها تعيش عزلة بعيدة عن البعد العالمي – الإنساني)، ومن جاء يحرض عليها بدافع أيديولوجي محض، بادعائه أنه يعرف جيدا (لماذا يمثل الشباب والعاملون في سلك التعليم نسبة كبيرة من عناصر الجماعات المسلحة، ونعتقد أن هذا أحسن دليل على فشل تسيير المدرسة).
وزير التربية الأسبق عبد اللطيف بابا أحمد (سبتمبر2012 – أفريل 2014)، وبعيدا عن ضغوط التسعينيات يصرح بأن (الإصلاحات التربوية فاشلة، والمدرسة أنتجت تلاميذ ضعيفي المستوى، وأن معظم المسجلين في الجامعة غير ملمِّين بالبرامج المعرفية ويعانون نقص المعلومات، رغم ارتفاع معدلاتهم في البكالوريا)، فهو يحكم بفشل المدرسة، بتقييم المكاسب المعرفية للتلاميذ دون غيرها.
تحيلنا جملة هذه الأحكام القاسية وغير الموضوعية التي تناولت المدرسة -وهي عينة لا أكثر- والتي لا تخفي نية الإساءة إليها عن قصد، إلى ضرورة البحث في خلفية ودوافع الاتهام، الذي يعد تهافتا مقيتا على مدرسة، إن لم تخل من سلبيات -كشأن أي منظومة مدرسية في العالم- فلها إيجابياتها التي لا تُنكَر، ويكفيها أنها وفرت لملايين الجزائريين إعادة اكتشاف ذاتهم الحضارية والإنسانية من جديد، بعد ليل الاستعمار الطويل والبغيض، ومكّنتهم من الارتباط الإيجابي بهويتهم التي تعرّضت لمحاولات التدمير والتشويه، بنيّة إحلال هوية مصطنعة محلها، هدفها النهائي صياغة -ولا أقول بناء- إنسان بلا جذور، مقتلَع من هويته، تائه وراء سراب ما يسمى “الحداثة”، وأتاحت -رغم القصور الذي اعتراها- إمداد الجزائر بحاجتها من الإطارات في مختلف التخصصات، ولبت احتياجات حيوية للإدارة والاقتصاد بما افتقرت إليه في سنوات الستينيات والسبعينيات، ألا يحسب لها هذا في ميزان حسناتها؟ ومن ثم، بأي معيار ومسوغ يمكن إذن أن نتحدث عن “مدرسة منكوبة”؟
ليس أيسر من إطلاق وصف بالغ القسوة على هذه المدرسة، لكن من الصعب تأكيد هذا الوصف، بل يتعذر ذلك في الواقع، فخصومها التاريخيون الذين يستخفون وراء عناوين وشعارات جوفاء، أملا في جرّها إلى مربعهم الخاص والإطباق عليها نهائيا، لا يملكون أي دليل ثابت يؤكد هذا الاتهام، بل على العكس، يمكن الكشف عن زيف هذه الاتهامات وردّها بأكثر من دليل مضادّ دامغ.
وإذا تجاوزنا معضلة أدلة الإثبات، وافترضنا صحة هذا الادِّعاء، وأقررنا بوجود هذه “المدرسة المنكوبة”، ألا يمكن القول إن من يدَّعي على هذه المدرسة هو ذاته من يحرص على نكبتها، ودفعها إلى حافة الفشل؟
تقديري أنه لا يقلّ إثارة الحديث عن “المدرسة المنكوبة”، الحديث عن المدرسة التي تعرضت في أكثر من موضع ومرحلة، لمحاولات حثيثة من أجل احتوائها وتطويعها، بسن تشريعات جديدة ظاهرها التجديد والتطوير، وباطنها دفعها في مسار منحرف تماما، سواء بالتشكيك في كفاءة إطاراتها الوطنية –إلى حد ممارسة الكيد بتسريب أسئل البكالوريا في 1992، على سبيل المثال، إذ أصاب ذلك أهدافَها بسوء، لينعكس سلبا على نتائجها، لا بلغة الأرقام، بل بمحتواها المعرفي والتربوي، وبالنتيجة أنّ هذه المدرسة تراجعت قليلا عن طموحاتها الوطنية.
خلاصة القول هنا، إن من يتهمها بالفشل، هو ذاته من يسعى في فشلها، ومن يدينها بغير دليل أنها صانعة لأشخاص عنيفين أو كانت منبع العنف الأيديولوجي، هو بالضرورة من يريد منها ومن الناس أن يكونوا كذلك، ليبرِّر عنفه الخاص.
في هذا الجو العاصف، افتقرت المدرسة الجزائرية إلى الاستقرار، وتناولها المناوشون من كل جانب بسهام الدعاية المغرضة، لتتحول إلى حلبة صراع أيديولوجي لم يُحسم إلى اليوم، بين من أرادها وثبة للإنسان الجزائري والوطن، ومن أرادها نكبة، وأيّ نكبة!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!