المدينة غير الفاضلة
في الجزائر ليست المشاريع التي بدأنا في إنجازها فقط من تُجهض في مهدها، أو تُنسف في مرحلة نضجها، أو تُوأد في بداية مولدها كما يحدث حاليا مع مشروع الأجيال ميترو الأنفاق وغيره من المشاريع التي مازالت خرائط ونماذج في كل أنحاء البلاد.
-
بل حتى الأحلام الجميلة التي تمتد أضغاثها من الزمن البومديني إلى بدايات القرن الحالي طالها الإجهاض رغم أننا نعلم إن هي إلا أضغاث أحلام غير قابلة للتحقيق وحتى للتأويل كما حصل مع عاصمة الجزائر المستقبلية بوقزول التي شيّدناها في مخيلتنا منذ ثلث قرن، فكنا نبني فيها أحلام الجزائر المعاصرة، ونرى في أزقتها الوهمية نفطنا يمشي كما مشى نفط الإمارات في دبي وأبوظبي ونفط قطر في الدوحة، كانت مدينة فاضلة ترتاح بروعتها عاصمتنا التي حاصرناها بنزوحنا وأخذنا منها دون أن نعطيها، وصارت مدينة غير فاضلة من العدم لن ترتاح بعد أن ضربتها عاصفة قرار عدم إنجازها. عاصمتنا التي يبدو أن قدرها أن تبقى عاصمة لا تُشبه أي عاصمة في العالم، فهي العاصمة الوحيدة التي غرقت في الطوفان في القرن الحالي في أكبر أحيائها باب الواد، وهي العاصمة الوحيدة التي ضربها الزلزال في القرن الحالي، وهي العاصمة الوحيدة التي اكتوت بنار الإرهاب، وكلها مآسي جسام لو ضربت قارّة كاملة لما صمدت، فما بالك بعاصمة الجزائر التي ذاقت الاحتلال وصنعت الثورة وجمعت أهل القرى ومزقتها التفجيرات ومع ذلك رفضنا أن يكون لها أشقاء وشقيقات من مدن قديمة وحديثة يقاسمونها أفراحها القليلة ويحملون جزءا من مآسيها الكثيرة.
-
يُؤسفنا أن نقول مرة أخرى أننا عجزنا عن إنجاز مدينة واحدة تشبه أحلامنا وتشبه ما نشاهده في بلاد العالم، وحتى المدن الجديدة التي زرعناها على ضفاف المدن القديمة كانت أشبه بالاستنساخ المشوّه رغم إيماننا بوجود استثناءات في مشاريع ناجحة تمنينا أن تكون قاعدة تنتقل فيها الجزائر إلى مصاف الدول التي تسبّح إنجازاتها بحمد الذي أعطاها البترول والغاز ورفع بأمره أسعاره إلى حدود تسعين دولارا في شهر ديسمبر الحالي.
-
دراسة حديثة قالت أن سعر العقار في الجزائر هو من أكثر الأسعار ارتفاعا في العالم رغم أن مساحة الجزائر وما تمتلكه من حديد وإسمنت كفيل لبناء عواصم ودول كبرى، لكن مافيا السكن حوّلت من حق الحصول على سكن حلم العمر بالنسبة لعامة الناس رغم الأرقام المليونية التي راهن عليها رئيس الجمهورية منذ أزيد من عشر سنوات، وحولوا سعر الإسمنت والحديد منافسا لسعر الذهب والألماس، وفرضوا بجبروتهم على أولي الأمر بأن ينسفوا حلم المدينة التي عشنا فيها منذ أواخر السبعينات وبنينا لكل منا فيها قصرا من الأوهام، لنجد أنفسنا مثل أفلاطون الذي حلم بمدينته الفاضلة واتضح أنها من خيال، ونحن حلمنا بمدينتنا الفاضلة (بوقزول) واتضح أيضا أنها من خيال، يبقى الفارق المؤلم الوحيد أن حلم أفلاطون وئد عام 348 قبل الميلاد وحلمنا وأدوه عام 2010 بعد الميلاد!!