المستشفيات في رمضان.. هنا يبدأ الجحيم
“رايح يموت… رايح يموت يا جماعة وين راهو الطبيب”، صرخة بقيت في أذننا ولم تفارقنا حتى بعد أن غادرنا مصلحة الاستعجالات لمستشفى مصطفى باشا في سهرة رمضانية.. عويل وبكاء لرجل ودع فلذة كبده إثر حادث أليم في تلك السهرة.. أسوأ لحظات عشناها ونحن نطوف بأرجاء المصلحة، متنكرين بمئزر أبيض وسماعة الأذن، متقمصين دور طبيب.
الساعة كانت تشير إلى التاسعة بعد موعد الإفطار، عندما وصلنا إلى مستشفى مصطفى باشا الجامعي، المكان كان يعج بعشرات السيارات القادمة من هنا وهناك.. كنت على موعد مع إحدى صديقاتي وهي ممرضة بمصلحة الأنف والحنجرة، منحتني مستلزمات الأطباء من مئزرا وسماعة الأذن، حتى أبدو طبيبة بالمستشفى وهو ما سهل لي التوغل والتجول بكل حرية في مختلف مصالح المستشفى.
البداية كانت من مصلحة الاستعجالات وفي بهو الرواق كان الحابل قد اختلط بالنابل لدرجة أن لا أحدا يراقب من يدخل ومن يخرج في أكبر مصلحة استعجالات في العاصمة، المكان كان يعج بالنسوة والعجائز وحتى الأطفال والباقي واقفون في الطابور، الكل كان ينتظر دوره.. بعد بضع لحظات دخلت سيدة في أواخر الثلاثينات تعاني آلاما حادة على مستوى البطن، حال المريضة كانت تستدعي إدخالها مباشرة إلى قاعة العلاج.
لكن أحدهم وجهها إلى الشباك المقابل لدفع تكاليف الفحص والحصول على ورقة وبعدها عليها انتظار دورها في الطابور، القابض خلف الشباك كان منشغلا بحديث جانبي مع زميل له واستغرق بضع الدقائق ليستجيب للسيدة التي كانت تتلوى من الألم خلف المكاتب المغلقة، يتقدم أحد أفراد عائلة المريضة.. ويقول لي من فضلك يا طبيبة افحصيها إنها تتألم.. لأجيبه أنني لست مناوبة بهذه المصلحة وسارعت بالمغادرة حتى لا يفتضح أمري، وبعد حوالي 10 دقائق عدت إلى ذات المصلحة لإكمال مهمتي، حيث علا صوت شيخ يعاني من مرض الضغط الدموي بعد أن يئس من الانتظار وسوء المعاملة، اقتحم مكتب الطبيب المناوب ورمى في وجهها الملف قائلا “واش اندير بيه الدوسي رايح نأكل به الشربة؟.. ساعتين وأنا نستنى“، لم يكلف نفسه التخفيف عنه كونه طاعنا في السن، بالإضافة إلى أنه مصاب بداء القلب ويمكن أن تحدث له أزمة حادة تودي بحياته في لحظة غضب، وأجابه “واش نديرلك..أنا“.
ممرضون برتبة “جنرالات“.. واش أنديرلك يا مريض
تركنا مصلحة الاستعجالات العامة، لنتوجه إلى مصلحة الاستعجالات الجراحية، وكانت المفاجأة كبيرة، فتخيلوا أن أكبر مصلحة استعجالات في عاصمة البلاد، تعمل في سهرة رمضانية، معدل الاستقبال فيها بين 300 و500 حالة، بحوالي 6 ممرضين لا أكثر، على الرغم من أن الممرض في أي مصلحة خاصة في مصلحة الاستعجالات يكون في بعض الأحيان أهم من الطبيب، فهو من يقوم بنقل الحالات من مصلحة إلى أخرى، إن استدعى الأمر، وهو من يقوم بحقن المريض ومتابعة تطور حالته، غير أن الممرضين يعملون دون حسيب ولا رقيب، حيث ونحن في عين المكان سألنا إحدى الممرضات عن طريقة تعاملهم مع الكم الهائل للمرضى المتوافدين يوميا على المصلحة، وخاصة بعد الإفطار، فردت علينا قائلة، “سوق الفلاح …أحنا نخدموا والآخرين رقدة وتمونجي“.. وفهمنا من خلال حديثها أن الهربة هي التي تطغى على المصلحة وليس فقط في قسم الاستعجالات بل حتى في الأقسام الأخرى، بذات المستشفى فلا حسيب ولارقيب وليدفع الثمن المريض.
600 عملية جراحية خلال الثلث الأول من رمضان
خلال دردشتنا مع أحد الأطباء المناوبين بمصلحة الاستعجالات الجراحية، تبين لنا أن أطباء المصلحة قاموا بـ600 عملية جراحية منذ بداية شهر رمضان وجل العمليات كانت بعد الإفطار مباشرة، حيث تعرف هذه المصلحة مباشرة بعد أذان المغرب ضغطا محسوسا نتيجة الإقبال المتزايد للمواطنين القادمين للمعاينة والعلاج والذين تندرج غالب حالاتهم في خانة المصابين بآلام المعدة وعدم استقرار نسبة السكر في الدم نتيجة إفراط الصائمين في الأكل أو شرب كميات كبيرة من المياه والعصائر مباشرة بعد أذان المغرب أو أولئك المصابين بأمراض مزمنة كالضغط الدموي والسكري جراء الصيام دون استشارة أو عدم الالتزام بتعليمات الطبيب المعالج، خاصة في اليومين الأخيرين، أين بلغت درجة الحرارة ذروتها القصوى.
طعنات بالسكين وقتلى الطرقات.. وأعوان الأمن على كف عفريت
ونحن نتجول في أروقة مصلحة الاستعجالات،أكد لنا أحد أعوان الأمن أنه لم يمر يوم واحد منذ حلول شهر رمضان دون استقبال أشخاص مصابين بطعنات على مستويات مختلفة من الجسم، ما يجعلهم عرضة للخطر كونهم هم أول من يتعامل مع هذه الحالات، خاصة أن هؤلاء المصابين يكونون مرفوقين بأشخاص آخرين يحاولون غالبا زرع الفوضى والدخول إلى غاية قاعات المعاينة والجراحة باستعمال القوة والعنف اللفظي، كما أشار إلى تسجيل العديد من حالات الشجار بين أفراد الأسرة الواحدة وغالبا قبل الإفطار، ويتعلق الأمر بإخوة شباب تصل حدة الخلافات بينهم حد الضرب والجرح العمدي، إضافة إلى ضحايا حوادث المرور قبيل الإفطار وبعده مباشرة، أين تبلغ الذروة غالبا قبل ساعتين عن موعد أذان المغرب وفي الساعات المتأخرة من الليل.
تعطل المصعد الكهربائي يودي بحياة رضيعين ويؤجل عمليات التوليد
“هم يبكي وهم يضحك.. ” يقول المثل الشعبي، والذي يوجد له ترجمة في ما يتداوله أطباء المصلحة من قصص يندى لها الجبين، فقبل أن نترك المستشفى سمعنا صراخ رجل، ولما استفسرنا قيل لنا أن زوجته التي ستضع مولودها عن طريق ولادة قيصرية، لا يمكنها ذلك، والسبب أن المصعد الكهربائي لمصلحة التوليد معطل، وبالتالي تم تأجيل عملية الولادة بالرغم من خطورتها، فيما ذكر مواطنون وجدناهم في نفس المكان أن هذه الوضعية تسببت في وفاة رضيعين مؤخرا.