-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
يساهم في الترويج للغة والثقافة الفرنسية عبر صناعة واجهة موالية

المعهد الثقافي الفرنسي في الجزائر.. الوجه الآخر لحماية مصالح باريس

زهية منصر
  • 3530
  • 0
المعهد الثقافي الفرنسي في الجزائر.. الوجه الآخر لحماية مصالح باريس
أرشيف

أعادت الأزمة الأخيرة بين الجزائر وباريس إلى الواجهة ليس فقط الإرث الثقيل للذاكرة بين البلدين، لكن أيضا الطريقة التي لا تزال فرنسا تنظر بها إلى الجزائر، حيث تعتبر باريس الجزائر قاعدة خلفية لها ومستعمرة قديمة لها دائمة الأفضلية في الحصول على امتيازات اقتصادية وثقافية.

تتخوف فرنسا ليس فقط من ضياع امتيازاتها الاقتصادية، لكنها أيضا حريصة على الإبقاء على نفوذها الثقافي الذي تعمل بكل ما أوتيت من قوة من الحفاظ عليه لأنها تعلم جيدا أن مصالحها محمية ما دامت مهيمنة ثقافيا ولغويا فطالما اعتبرت باريس اللغة الفرنسية أداة نفوذ ثقافي يعزز نفوذها سياسيا واقتصاديا، فهي، وأن كانت الفرنسية ليست لغة رسمية في الجزائر، لكنها أيضا ليست أجنبية تماما.

فقد سبق وخصصت جريدة ليبراسيون الفرنسية ملفا كاملا عن واقع الفرنسية في الجزائر على هامش زيارة الرئيس السابق فرانسوا هولاند إلى الجزائر، اعتبرت فيه أن “الفرنسية ليست لغة رسمية في الجزائر، لكنها أيضا ليست لغة أجنية تماما. الفرنسية تتبع هنا كل “تطورات المجتمع ونبضه.. اللغة الفرنسية تواجدت وتتواجد من خلال الإدارة والأعمال وتسيير قطاعات واسعة من الدولة، في حين ظل خطاب التعريب شعارا شعبيا مرفوعا طيلة نصف قرن من الاستقلال”.

وبحسب دراسة فرنسية نشرتها ليبراسيون تشير إلى أن ثلث سكان الجزائر ممن يعرفون القراءة والكتابة يستعملون الفرنسية. وقد جاء انضمام الجزائر عام 2008 إلى مبادرة الشراكة من أجل المتوسط بعد زيارة ساركوزي حدثا آخراً لتكرس وجود وتغلغل لغة موليير في الجزائر.

ومن المفارقات المسجلة في هذا المجال أن فرنسا هي التي تدفع للدول المنضوية تحت لواء منظمة الفرانكفونية من أجل تطوير وتكريس الفرنسية، لكن عندنا الجزائريون هم الذين يدفعون من أجل الفرنسية، حيث ذكر تحقيق ليبراسيون أن الفرنسية لم تفقد مكانتها في الجزائر حتى إبان الصراع الأيديولوجي اللغوي بين 1970 و1980 أو العشرية السوداء، والصراع مع الإنجليزية لاستحواذ على السوق الجزائرية، لكن مقابلات العمل والوثائق الإدارية ما تزال تصدر بالفرنسية وما زال الجزائريون يتعاملون بلغة المستعمر القديم.

وقد سعت فرنسا بكل ما أوتيت من قوة إلى ضم الجزائر إلى منظمة الفرانكفونية فقد شارك الرئيس الراحل بوتفليقة في قمة بيروت عام 2008 كعضو ملاحظ لكن مجلس الشيوخ الفرنسي سبق وأصدر عام 2017 تقريرا تساءل فيه عن أسباب عدم انضمام الجزائر إلى منظمة الدول الفرانكفونية رغم الانتشار الواسع لهذه اللغة.

يعتبر المركز الثقافي الفرنسي بالجزائر من أنشط المؤسسات الثقافية في البلاد، ونشاطه ودقة تنظيمه تحسده عليه حتى وزارة الثقافية مثلما صرح أحد مسؤوليه لليبراسيون الفرنسية. ورغم أن نشاط المركز توقف إبان العشرية السوداء إلا أنه عاد إلى العمل وبوتيرة أكثر نشاطا من ذي قبل، حيث تحول من مركز إلى معهد يجمع أربع مراكز جهوية في أكبر المدن الجزائرية وهران، عنابة وتلمسان.

وجاءت إعادة هيكلة المعهد، حسب تصريحات المسؤولين، الفرنسيين، في إطار إعادة الاعتبار للغة والثقافة الفرنسية في الخارج خاصة في مستعمراتها القديمة، في هذا السياق، اعتبر السفير الفرنسي السابق بالجزائر كزافييه دريانكور ”هذه المبادرة استجابة لخيار الحكومة الفرنسية لدعم المساعي الثقافية الفرنسية عبر العالم، ضمن ما يسمى بالدبلوماسية الثقافية”. الأمر الذي ساعد المركز الثقافي الفرنسي بالجزائر على العمل بنشاط كبير هو الاستقلالية التي يتمتع بها عن السفارة، وكذا الميزانية التي خصصت له غداة إعادة هيكلته والمقدرة ب 14 مليون يورو 44 بالمائة منها مخصصة للتعاون الجامعي والعلمي، و17 بالمائة منها مرصودة لتدريس اللغة الفرنسية ودعم النشاطات الثقافية التي يقيمها المعهد.

يتميز النشاط الثقافي الفرنسي الموجه للجزائر وخاصة لشريحة الشباب من كتاب وسينمائيين بكثافته وتنوعه، لأن فرنسا تعتبر الجزائر حديقة خلفية لها، ولها السبق والأولوية في هذا الجانب، وبمجرد أن أحسّت فرنسا بأن ثمة من يزاحمها في هذا الحق، خاصة في ظل توجه إلى افتتاح مراكز ثقافية أجنبية أخرى “إيطاليا وإسبانيا” معهد قوتيه الألماني سعت إلى إعادة بعث الثقافة واللغة الفرنسية عبر تعزيز هيكلة المركز وتحويله إلى معهد.

يعمل المعهد الثقافي الفرنسي على رعاية المواهب وتقديم مساعدات عبر منح الكتابة والإخراج السينمائي في الترويج للثقافة والحرف الفرنسي وصناعة واجهة للثقافة الفرنسية حيث يعمل على المتابعة الدقيقة للأعمال التي يرعاها إذ يوفر لها الترويج ويضمن لها الحضور في المحافل الدولية والمهرجانات وتصبح بذلك مثلا الأفلام التي ترفع لواء الجزائر في المهرجانات تحمل وجهة نظر فرنسية.

تدرك فرنسا جيدا أن المعهد الثقافي الفرنسي الجزائر يشكل قوتها الضاربة في هذا البلد لضمان حضورها ثقافيا ولغويا وبالتالي استمرارها سياسيا واقتصاديا من خلال صناعة نخبة متعاونة مدافعة أو على الأقل متعاطفة مع الثقافة الفرنسية وضمان استمرارها وإبقائها في الواجهة لذا فهذه المؤسسة تحرص على استمرار مشاريعها في دعم ورعاية الحرف والثقافة الفرنسية من خلال المسابقات ومنح الكتابة وصناديق الدعم والعمل على الاهتمام بورش الترجمة وأقسام تدريس الفرنسية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!