المناضلة جاكلين قروج بطلة خالدة في ذاكرة الوطن
إن أعظم الشرف هو شرف المبادئ والمواقف، فما أسهل أن يرغي المرء ويزبد في قضايا شتى، مقدما نفسه بطلا قوميا أوعالميا، ويعبّد طريقا للباطل عن طريق التمويه والتزييف، فيلطخ شرف المبدء والموقف والكلمة، وما أصعب أن يكون بطلا حقيقيا يكرس حياته لنصرة الحق، ويصدح به، مقدما في سبيل ذلك حياته قربانا للحفاظ على شرف المبدء، فذلك وحده من يدين له العلا، ويطبع بصمته على جبين التاريخ بحبر من تبر
وهاهو المصاب يستوقفنا اليوم لاستحضار سيرة واحدة من بين هؤلاء الشرفاء، هي طيبة الذكر والذكرى المجاهدة جاكلين قروج، لقد رحلت مخلفة مواقفها شذى تطيب به ذاكرة الوطن، وتستوحي منه أجيال العالم معاني الشرف والعدل..رحلت بعد أن كانت شاهدا من أهل فرنسا الكولونية على سوء فعالها.. رحلت؛ وحفظت الجزائر جميلها بمدد العرفان وآبد الشكر والإمتنان .
ولدت جاكلين في مدينة رووان الفرنسية سنة 1919 وزاولت تعليمها هناك، وفي سنة 1948 نزلت بأرض الجزائر، فعملت كمدرسة للغة الفرنسية في مدرسة اِبتدائية ببلدية شتوان التابعة لولاية تلمسان، وما إن وطئت قدماها أرض الجزائر؛ حتى بدأت تكشف حقيقة بلادها الرسمية، المتشدقة بالتحضر والعدل والمساواة، حيث راعها ما رأت من مظاهر الظلم والإستبداد، والتهميش والاستعباد؛ التي يعاني منها الشعب الجزائري تحت وطأة الاحتلال الفرنسي، فكانت الإنسانية لغتها الوحيدة التي تجاوزت كل الإعتبارات، فلا العرق ولا الإنتماء ولا الديانة حالت دون استنكارها لسياسة فرنسا، كيف لا وقد جثمت على صدور الجزائريين عقودا تتراكم، ويتفاقم معها جشع الإمبريالية وكلب الفوقية، وهناك اِنحازت المرأة الشجاعة إلى الحق دون مواربة، موجهة صفعة موجعة لبني جلدتها.
تزوجت جاكلين من المجاهد عبد القادر قروج المدعو جيلالي، وبدأت مسيرتها النضالية بقلمها وفكرها، ثم انضمت إلى شبكة لجنة الدفاع عن الحريات، وبعدها إلى الحزب الشيوعي الجزائري، قبل أن تلتحق بجبهة التحرير الوطني سنة 1956، فعينت كعضو اتصال ضمن قوات الكوموندوس التابعة لجيش التحرير الوطني.
وبعد ملاحقات حثيثة من طرف السلطات الفرنسية، تم القبض عليها واعتقالها سنة 1957، فتعرضت لأبشع انواع التعذيب والتنكيل، وحكم عليها بالإعدام إلى جانب مجموعة من المناضلين من ضمنهم فرنان إيفتون، لكن تلك الفترة شهدت دعما دوليا واسعا للقضية الجزائرية، وقامت العديد من المنضمات الحقوقية بحملات دولية واسعة تطالب بإطلاق سراح المعتقلين، أُرغِمت إثرها فرنسا على إصدار قرار العفو على العديد من المعتقلين والمحكوم عليهم بالإعدام، من بينهم جاكلين وزوجها عبد القادر.
وعلى خطى والدتها سارت دانيال اِبنة جاكلين، حاملة مشعل النضال ضد الإحتلال الفرنسي فحُكم عليها هي الأخرى بسبع سنوات سجن، وظلت المجاهدتان ترافعان من أجل حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره، حتى تحقق ذلك سنة 1962، فاختارت جاكلين الجزائر مستقرا لها، وأبت إلا أن تعيش بقية حياتها بين أبنائها، محفوفة بسابغ التقدير والحب، إلى أن فاضت روحها إلى خالقها أول أمس 19 جانفي 2015، ووري جثمانها ثرى البلد الذي عشقته بمقبرة الشهداء في العالية، بعد أن أدت دورها الإنساني النبيل على أكمل وجه، جمعت شتاته في كتاب بعنوان دواوير وسجون صدر سنة 1993.
فلك من شعب الجزائر قوافل الشكر تترى، مع أعين عبرى.