المنشطات وحش ينهش رياضتنا والمطلوب تدخل رئاسي
يشدّد “كمال بن ميسي” الرئيس السابق للاتحادية الجزائرية لألعاب القوى، على أنّ آفة المنشطات باتت وحشا ينهش الرياضة الوطنية، وطالب بن ميسي بتدخل على أعلى مستوى لإيقاف هذا “العبث”، مبديا في حوار خصّ به “الشروق الرياضي” نيته استكمال “المعركة” والذهاب بعيدا.
في تصريحات حصرية ينفرد “الشروق الرياضي” بنشرها، كشف بن ميسي عن حقائق لأول مرة ونقاط ظلّ تلف (طابو) المنشطات في الجزائر، ويفيد بن ميسي للشروق الرياضي أنّ لجنة مكافحة المنشطات التي شكّلتها وزارة الرياضة مجمّدة بعدما استقال رئيسها (..)، منتقدا صمت وزارة الصحة طالما أنّ الأمر يتعلق بتوازنات الصحة العمومية وليس برياضة النخبة فحسب.
في مستوى آخر، نوّه بن ميسي بمسيرة البطل العالمي والأولمبي الجزائري “نور الدين مرسلي” ويصفها بـ”المثالية”، لكنه بالمقابل يقول إنّ التساؤلات تلف أشواط البطل العالمي والأولمبي المغربي “هشام القروج” متكئا على تقاعده المبكّر.
فيما يلي النص الكامل لحوار بن ميسي مع مندوب “الشروق الرياضي”:
* تحدثم مؤخرا بشكل مكثف عن آفة المنشطات في الجزائر، ماذا هناك تحديدا؟
– الآفة حاضرة بقوة منذ تسعينيات القرن الماضي، واطلعنا في السنوات الأخيرة على حالات كثيرة، تماما مثل أيام إشرافي على الاتحادية الجزائرية لألعاب القوى (1995 – 1997)، حيث كانت تصلني أخبارا كثيرة، لذا قررت بمعية الدكتور الراحل “إبراهيم بابا”، وكذا المدرب الوطني “لوناس مادن” المتواجد حاليا في البحرين، إقرار المتابعة الآنية للرياضيين، رغم أننا كنا نفتقر إلى الأموال الكافية لإنجاح العملية، وأتذكر أنّنا تلقينا تهاني الايطالي الراحل “بريمو نيبيولو” الرئيس السابق للاتحاد الدولي لألعاب القوى نظير ما قمنا به في مجال مكافحة المنشطات.
* ماذا عن الحالات المعلن عنها في ألعاب القوى قبل سنتين؟ وهل هناك حالات أخرى؟
– هناك عديد الحالات، بينها رياضي من المنتخب الوطني العسكري جرى ضبطه، كما أعدّد 3 حالات أخرى تخص كل من: “رضا أرزقي مقدود” (القفز الطويل) الذي جرى معاقبته بثلاث سنوات، لأنّه تعاطى منشطين لدى مشاركته في تجمع جامب ببلجيكا في 16 ماي 2012.
الثانية لـ”العربي بورعدة” (العشاري) الذي عوقب بعامين إثر ثبوت وجود مواد منشطة في جسمه يوم 15 جوان 2012 بمناسبة تجمع راتيغن بألمانيا، وأكدت التحاليل التي خضع لها ذلك، وكان بورعدة قد حسّن في هذه المنافسة الرقم القياسي الإفريقي للعشاري بحصوله على مجموع 8332 نقطة.
الثالثة لـ”زهرة بوراس” التي تم اكتشاف مواد محظورة في جسمها في مناسبتين، الأولى يوم 5 جوان 2012 في تجمع مونتروي بفرنسا ويوم 9 جوان 2012 بتجمع فيلينوف داسك بمدينة ليل بفرنسا أيضا، وكانت بوراس قد فازت بالسباقين.
وحديث كل من بوراس وبورعدة وسعيهما لتحميل جهات أخرى مسؤولية “تعاطي منشط الستانوزول تمّ بغير إرادتهما”، لا أساس له، طالما أنّ المبدأ المتعارف عليه عالميا ينص على أنّ الرياضي مسؤول عن أفعاله.
الألماني بافل هو من ورّط سعيدي سياف
* بشأن “علي سعيدي سياف ” وصيف البطل الأولمبي في الخمسة آلاف متر لألعاب سيدني 2000، ماذا حدث بالضبط غداة الميدالية الفضية التي فاز بها ابن منطقة حامة بوزيان في سباق الخمسة آلاف متر في بطولة العالم الثامنة لألعاب القوى التي أقيمت في إدمونتون بكندا (3 – 12 أوت 2001)؟
– فيما يخص ” علي سعيدي سياف”، أعلنت الرابطة الدولية لألعاب القوى أنّ الاختبارات التي أجريت على سياف في البطولة المذكورة أثبتت تعاطي العداء المذكور لمادة الناندرولون المنشطة المحظورة، وجرى معاقبته بعامين، لكن سيّاف أثبت لاحقا أنّه بريئ.
أحيل هنا إلى ما نشرته صحيفة الإكسبيرسيون في عدد الأربعاء 22 أوت 2001، حيث نقلت على لسان مصادر وصفتها بـ”الموثوقة” أنّ “سياف شوهد في إدمونتون صحبة الطبيب الألماني المثير للجدل بافل (يملك تاريخا مشبوها مع منتخب ألمانيا الشرقية السابقة في ثمانينيات القرن الماضي)”، وأفيد وقتها أنّ (استقدام بافل لمتابعة سياف أتى بتوصية من المدلك “رشيد بنواس” المقيم آنذاك بألمانيا).
أفتح قوسا هنا لأشير إلى ما كشفته تحقيقات عن تاريخ ألمانيا الشرقية (سابقا) في ألعاب القوى على مدار سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ومهازل المنشطات التي ملأت الدنيا وشغلت الناس.
* بعثتم برسائل عديدة إلى اتحادية ألعاب القوى وكذا اللجنة الأولمبية الجزائرية، انتقدتم فيها تكفل اتحادية ألعاب القوى بكل من بوراس وبورعدة أثناء فترة عقوبتهما، ماذا عن خلفية الرسائل، وكيف كان رد الجهتين المعنيتين؟
– بالفعل، كعضو في الجمعية العامة لاتحادية ألعاب القوى بعثت برسالتين إلى الهيئة إياها بتاريخ 27 جانفي 2014، وأعقبتها برسالتين أخريتين إلى وزارة الرياضة واللجنة الأولمبية، أتى ذلك إثر تكفل اتحادية ألعاب القوى ببوراس وبورعدة، فالغريب أنّ الاثنين استفادا من عديد التربصات الداخلية والخارجية رغم أنّ القوانين تجرّدهما من صفة رياضي طوال فترة عقوبتهما، ورغم أنّ هذا الأمر تمّ دون موافقة الجمعية العامة الانتخابية، علما أنّ القانون ينص على عقد جمعية عامة استثنائية لبحث هكذا مسائل.
بالمقابل، ورد في التقرير رقم 04 / 13 للاتحادية الجزائرية لألعاب القوى الصادر في 17 جوان 2013، أنّه “تمّ بالغالبية منح بوراس وبورعدة امتياز الاستفادة من التكفل”، والغريب هو هذا “التمييز” بين بورعدة وبوراس من جهة، ومقدود الذي أريد له أن يبقى خارج الإطار ولم يستفد من أي شيء.
من جهته، تحرّك رئيس اللجنة الأولمبية في اتجاه إيجابي لتحريك السواكن، بينما الوزارة ظلت ساكنة، في حين ارتضت الاتحادية الرد عليّ في العاشر مارس 2014 أي بعد قرابة شهرين على رسالتنا الأولى، وجرى التأكيد على أنّ الهيئة التي يرأسها عمار بوراس ملتزمة بقوانين الاتحاد الدولي لألعاب القوى، لكم الردّ تضمّن حيثيتين غير صحيحتين، أخطرها أنّ “العائلة الكبيرة لألعاب القوى هي من أقرت دعم بوراس وبورعدة” وذاك مغلوط، مثلما أنّه غير صحيح ما ذكرته الاتحادية ذاتها عن “الذهاب إلى القضاء وتحريك دعوى ضدّ مجهول للتحري بشأن من يقف وراء تورط بوراس وبورعدة للمنشطات”.
وجرت الإشارة إلى أنّ التكفل ببورعدة وبوراس لم يكون محلّ اقتراح المدير الفني الوطني مثلما جاء في المحضرين 4 و5، وجرى تسويغ ذلك بـ”خطأ في كتابة المحضر” (..)، وإنما أتى إقرار التكفل ببورعدة وبوراس بناء على “اتجاه أعضاء العائلة الكبيرة لألعاب القوى” من أجل تمكين الرياضيين المعنيين من مواصلة تحضيراتهما.
المثير أنّه في وقت جرى استبعاد متابعة حالة مقدود نهائيا، استفاد كل من بورعدة وبوراس من إعانة الاتحادية زمن الرئيس السابق “بدر الدين بلحجوجة” لإجراء العينة (ب) من التحاليل، مع أنّ بلحجوجة شدّد زمن انفجار الفضيحة على أنّ مصالحه لن تتحمّل مسؤولية ما تورط فيه بورعدة وبوراس.
* لكن البعض يتحدثون عن براءة بورعدة وبوراس مما نُسب إليهما؟
– بورعدة وبوراس هما حالتان مثيران للأسف، وتتعلقان بشابين “بريئين”، وبُعيد المصيبة التي تعرضا لها، أتمنى لهما تجاوز ما حصل وتحقيق نجاحات، لكن القوانين الوطنية والدولية واضحة، وتشدّد على أنّ أي رياضي مسؤول عن نفسه وأفعاله (المادة 40 من الميثاق الأولمبي)، وغير معقول منح الاثنين إمكانيات للتحضير أثناء فترة عقوبتهما، مع أنّ القوانين تمنع على من يعاقب دخول الميادين والاحتكاك بالرياضيين، وهو ما لم يحصل في حالتي بورعدة وبوراس، فالقانون واضح وينص على منع الاتحادية من منح أي إعانة والتكفل برياضيين معاقبين أثناء فترة العقوبة.
بهذه الطريقة لم يتم حماية المعاقبين والاتحاد الدولي – لو علم رسميا باستفادة المعنيين من تربصات وتوابعها – كان سيعاقب مسؤولي الاتحادية الجزائرية لألعاب القوى.
مسيرة مرسلي كانت مثالية لكنّ التساؤلات تلف القروج !
* الاتحادية نفت مطلقا “أي تشجيع من طرفها للمنشطات”، وأبانت عن برنامج لمحاربة الظاهرة، ونبّهت اتحادية ألعاب القوى إلى أنّها الأولى التي قامت بأكبر عدد ممكن من الكشف على المنشطات سواء في التداريب أو المنافسات في الجزائر والخارج، فهل ظاهرة المنشطات محصورة في ألعاب القوى أم أنها طالت رياضات أخرى في الجزائر؟
– أرى أنّها لا تقتصر على ألعاب القوى فقط، والشائعات كثيرة لكننا لا نستطيع الجزم بصدقيتها، وفي غياب المراقبة والمتابعة، شبهات كثيرة تحوم، ورئيس اتحادية السباحة “أحمد شيباركا” قالها بصريح العبارة: “المنشطات موجودة في الجزائر”، لكن لا يمكنني اتهام أي شخص، كما أنني تفاجأت لدى تواجدي قبل فترة في الملعب الملحق لميدان 5 جويلية، حينما تساءل مدرب لألعاب القوى بحضور رياضي قديم: “هل تعتقدون فعلا أننا نستطيع الوصول إلى القمة دون منشطات؟” (..).
* (مقاطعا) لكن الجزائر وصلت بالفعل إلى القمة من دون منشطات عبر نور الدين مرسلي، حسيبة بولمرقة، نورية بنيدة مراح، سعيد قرني جبير، عبد الرحمان حماد، توفيق مخلوفي وغيرهم من الأبطال؟
– أكيد، وهي قناعة عامة، وأستدل هنا على سبيل المثال لا الحصر بالبطل العالمي والأولمبي “نور الدين مرسلي” الذي كانت له مسيرة مثالية وواصل مسيرته إلى غاية النهاية، عكس آخرين على منوال المغربي “هشام القروج” الذي توقف في أوج العطاء، وهو أمر يطرح أكثر من علامة استفهام (..)
لجنة مكافحة المنشطات مستقيلة وصمت وزارة الصحة غير مفهوم
* هل هناك رادع قانوني صارم في منظومتنا التشريعية تجاه (طابو) المنشطات، وماذا عن ردود فعل الوصاية؟
– قانون الرياضة 2013 (الصفحة 64) ينص على التعامل بصرامة مع محذور المنشطات ويسلط عقوبات بسجن المتورطين تصل إلى 5 سنوات حبسا، فضلا عن الغرامات المالية، لكن المسألة ليست مشفوعة بأفعال، فوزارة الرياضة استحدثت لجنة لمكافحة المنشطات لكنها مجمّدة، وعلمت أنّ رئيسها استقال من دون علم أحد (..)، وحتى الاتحادية الجزائرية لألعاب القوى طلبت من اللجنة إياها حضور البطولة الوطنية الأخيرة، لكنها لم تحضر لأنّ رئيسها مستقيل.
تمنيت شخصيا أن تتدخل الحكومة، فلست أفهم عدم تدخل وزارة الصحة، فالقضية تتعلق بـ”الصحة العمومية” قبل أن تكون “رياضة نخبة”، لكن عديد الوزارات لم تقم بدورها ولم تحرك ساكنا، في وقت ظلّ وزير الرياضة وهو دكتور، يحث الجمعيات العامة للاتحاديات على ضرورة تحمّل مسؤولياتها، لكن للأسف كثير من الجمعيات العامة ليست كذلك ولا تكلّف نفسها عناء ممارسة أي رقابة، وأتأسف بشكل خاص لكون الجمعية العامة لاتحادية ألعاب القوى لم تتحرّك ضدّ هذه الظاهرة.
* ما المطلوب إذن؟
– المطلوب تدخل رئاسي على أعلى مستوى، واللجنة الأولمبية الجزائرية مدعوة للعب دور أكبر في أخلقة الرياضة، كما أقول لا ينبغي التغاضي عمن خاضوا في المنشطات، ومن كان وراء نشرها، وللأسف جرى التلاعب بالرأي العام وبأعضاء الجمعية العامة عبر التظاهر بمقاضاة من كانوا وراء الفضيحة ولم تكن هناك أي متابعة، وأسمي ما تمّ تسويقه “معلومة غير صحيحة”، في مرحلة ينطبق عليها ما قاله الأديب الكولومبي الراحل “غابريال غارسيا ماركيز”: “المجتمع يؤمن بكل شيئ وينسى كل شيئ”، على شاكلة الجنود الذين احتفلوا في باريس ونسوا كل شيئ، وظاهرة الفرنسة التي تلقي بظلالها على كل شيئ.
* ما تداعيات هكذا ممارسة على الرياضة الجزائرية؟
– من شأن المنشطات إفراز حالة لا توازن وتحطّم نخبة المدربين والرياضيين والقضاء أيضا على المردود والنتائج، وكمناضلين في الحركة الرياضية الوطنية وكمواطنين أيضا، نلّح على ترسيخ الجانب الأخلاقي سيما لدى المدربين والرياضيين، وندعو لتطبيق القوانين بصرامة.
* ما توصيفكم لراهن ألعاب القوى الجزائرية؟
– هناك نوع من اللامبالاة لدى من هم في القواعد، تصوروا جمعية عامة لاتحادية ألعاب القوى تنتهي في 30 دقيقة بعدما كانت تستمر لاثني عشر ساعة متصلة أيام زمان، لذا أستطيع القول أنّ هؤلاء أقرب إلى (المتواطئين)، وسط تنامي ممارسة الكيل بمكيالين.
الجمعية العامة سنة 2010 أقرّت نظام الرابطات الجهوية، لكن المكتب الفيدرالي الحالي، ومن دون المرور على الجمعية العامة أعاد النظر في سيرورة الرابطات الجهوية، وحتى التقليد الذي استمر لسنوات عبر إطلاق أسماء الراحلين الذين قدموا عطاءات لألعاب القوى، على مختلف المنافسات حرصا على تكريمهم، هذا (البروتوكول) على رمزيته، جرى تناسيه.
لكن في خضم كل هذا، هناك ثمّة تجارب مشرقة، مثل العشرة نوادي التي تنشط في منطقة بجاية، فهي تعمل كثيرا ما جعلها تتبوأ الصدارة وطنيا رغم أنّها تفتقر إلى مضامير.
المعركة سأستكملها وسأذهب بعيدا
* ما الذي تنوي فعله في القادم؟
– الملف سيظل مفتوحا، والمعركة سأستكملها وسأذهب بعيدا، مستعد لإنجاز ملف كامل حول ألعاب القوى الجزائرية ورفعه إلى رئاسة الجمهورية، وأرفض أن يتم التلاعب بتضحيات نساء ورجال، وتفشي العبث برياضة تعبنا لأجل الارتقاء بها، مثلما أرفض وضع إرادة الجمعية العامة لألعاب القوى تحت “الأقدام”.
* في ظلّ ما تقدّم ما هي حظوظنا في بطولة العالم الـ15 لألعاب القوى التي ستحتضنها بكين (22 -30 أوت 2015) وكذا أولمبياد ريو دي جانيرو في صيف 2016؟
– الرهان سيكون على “توفيق مخلوفي” البطل الأولمبي، حتى وإن كنا لا نملك أي خبر عنه وسط غيابه المتواصل والمحيّر سيما مع تغيّبه المحيّر مجدّدا عن بطولة إفريقيا المقبلة بمراكش، لكن نأمل في التتويج طالما أنّ 1500 متر اختصاص جزائري بامتياز، كما نتطلع إلى ما ستفعله العداءة “أمينة بتيش” البطلة المتوسطية، تبعا لكونها مصنفة بين العشرة أوائل عالميا في سباق 3 آلاف متر موانع.
هناك أيضا، العربي بورعدة في اختصاص العشاري حتى إن كانت مهمته ستكون صعبة، لكنه بشجاعته يستطيع إنجاز الأحسن.