النطق بالأحكام في المحاكم… لحظات تشد الأنفاس
يعتبر شهر الصيام فرصة للمّ شمل العائلة وراء مائدة الإفطار بنكهة رمضانية مميزة لتجديد أواصر المحبة وصلة الرحم بين أفراد العائلة، لكن قد لا يكون هذا الشهر بنفس النكهة لدى أسر المتقاضين أو السجناء، الذين يقضون يومهم ما بين السجن والمحكمة في انتظار الفصل في القضية خاصة إذا كان السجين هو الابن أو الأب أو الزوج.
-
“الشروق” ومن خلال تواجدها اليومي بقاعات المحاكم، وقفت على حالة عائلات المساجين في هذا الشهر الفضيل، حيث تمتلئ قاعة الجلسات منذ الصباح الباكر بأهالي المتهمين، فمن عجائز كبار في السن إلى أمهات في متوسط العمر وآباء وأشقاء وزوجات برفقة صغارهم، كل هؤلاء تراهم ينتظرون بعيون تملأها الحزن تارة والأمل تارة أخرى، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بسماع منطوق الحكم، وبمجرد إدخال الموقوفين من قبل الشرطة للمكان المخصص لهم تراهم يلوحون لأهاليهم وأقاربهم ويحاولون ولو من بعيد الاستفسار عن أخبارهم.. هي مشاهد تتكرر كل يوم، لكن في شهر رمضان لها وقع آخر في النفوس، خاصة إذا كان المتهم هو معيل أسرته والابن الوحيد، حيث استوقفنا مظهر فتاة في ريعان شبابها كانت جالسة منذ الصباح الباكر تنتظر النطق بالأحكام في قضية شقيقيها واللذين تورطا في قضية مخدرات، وبعد استفسارنا من محام تابع القضية أكد لنا أن هاته الأخيرة تعيش رفقة شقيقيها وأمها الطاعنة في السن وظروفهم المعيشية جد صعبة، ما دفع بشقيقيها للإدمان على المخدرات، وبينما كنا نستفسر عن قصة هاته الفتاة دخلت القاضية لتنطق بالأحكام، حيث عمّت حالة من الترقب بالقاعة، وتسمع أصوات الدعاء والعيون تبقى تترقب لحظة الحسم، وكانت تلك الفتاة تكثر من الدعاء وهي تمسك قلبها بيدها تنتظر حكم المحكمة، والتي نطقت بعقوبة سبع سنوات حبسا نافذا في حق شقيقيها والمتهمين اللذين كانا معهما في القضية، وهو الحكم الذي نزل كالصاعقة على تلك الفتاة التي أغمي عليها من هول الصدمة وراحت تصرخ وتبكي مرددة ”لماذا، علاش يا خويا” وهي تذكر اسمي شقيقيها اللذين دمرا حياتهما وحياة العائلة بسبب المخدرات .
-
-
أبناء يتورطون والعائلة تدفع الثمن
-
وغير بعيد عن تلك الفتاة، استرعت انتباهنا سيدة أخرى في العقد الرابع من العمر، التقيناها بمحكمة سيدي امحمد بالعاصمة، وجهها كان شاحبا جدا، خاصة أنه أول أيام الصيام لكن ملامح الحزن كانت أقوى، وبمجرد اقترابنا منها للاستفسار عن سبب تواجدها بالمحكمة راحت تبكي وبحرقة قائلة: “جئت لرؤية ابني الذي ألقي عليه القبض منذ يومين بسبب حمله للسكين” تسكت قليلا ثم تقول: “لم أتوقع أنني سأقف مثل هذا الموقف، وبدل وجودي في البيت لتحضير وجبة الإفطار، سأكون واقفة هنا بقاعة الجلسات لانتظار محاكمة ابني الذي لا أعرف إن كان سيرجع معنا أو سيبقى في السجن” وتضيف: “هذه هي المرة الأولى التي يغيب فيها ابني عن البيت ولا يمكنني أن أتصور قضاء شهر رمضان بدونه” تسكت قليلا ثم تقول: “ابني إنسان خجول ولا يمكنه إيذاء أي شخص، لم أفهم لحد الآن كيف تورط في القضية”.
-
هاته الأم ليست إلا عيّنة بسيطة لأمهات أخريات كتب لهن العيش في الحزن والانتظار والقلق على أولاد غرهم طريق الإجرام، ولم تأخذهم رأفة بأمهاتهم وآبائهم حتى يجنبوهم الوقوف في المحكمة أو حتى التردد على المؤسسة العقابية.
-
-
حكم البراءة يثلج صدور الأمهات ويرجع الحياة إليهم
-
وما بين هذا وذاك، قد يكون حكم البراءة أو الحكم بعقوبة مع وقف التنفيذ هو الدواء الشافي لجراح العائلات التي كتب لها قضاء أيام رمضان ما بين المحكمة والسجن، حيث تمتزج الأحاسيس مع بعضها البعض داخل قاعة الجلسات، ففي جلسة الجنح بمحكمة سيدي امحمد بالعاصمة الأسبوع الفارط راحت إحدى السيدات تدعو للقاضية قائلة “يعطيك الصحة وربي يخليك” بعدما حكمت في قضية ابنها البالغ من العمر 19 سنة بعقوبة العمل لأجل النفع العام، أي العمل لمدة 120 ساعة لدى الدولة دون أجر عوضا عن البقاء في السجن لمدة شهرين. وهو الحكم الذي أثلج صدر الأم التي عانت كثيرا منذ بداية رمضان بسبب وجود ابنها في السجن. وحتى المتهم الشاب فرح كثيرا لما خيّرته القاضية بين عقوبة العمل أو السجن، ليخبر أمه بصوت عال ”راني خارج اليوم”.
-
المعاناة الحقيقية التي يعانيها الآباء خاصة وبقية أفراد الأسرة بسبب تورط أحد المقربين في قضية ما وتواجده بالسجن لا يمكن تصورها بأي حال من الأحوال وفي كل الأزمنة، لكن هاته المأساة تكبر أكثر في شهر رمضان، ما يدفع الكثير من المحامين في مرافعاتهم ودفاعهم على المتهمين إلى تذكير المحكمة بخصوصية شهر رمضان الذي هو شهر رحمة وغفران، وبالنظر إلى حال أسرة المتهم التي تكون حاضرة بالقاعة لاستعطاف المحكمة للعفو على المتهم.