الإسلاميون في الوطن العربي..من الدولة "الإسلامية" إلى الدولة "المدنية"
الوصفة السحرية التي غيرت موقف الغرب وصنعت “الربيع الإسلامي”
عرفت حركات الإسلام السياسي كيف تستغل المتغيرات التي أفرزتها ثورات الشارع العربي، وتوظفها لصالحها محليا ودوليا، ما مكنها من حجز موقع ريادي، يؤشر على تعاظم الدور الذي ينتظر أن يلعبه هذا التيار في العملية السياسية مستقبلا.
-
بعض المتابعين للشأن السياسي العربي، لم يترددوا في القول بأن ما تشهده الدول التي انهارت أنظمتها تحت ضغط شعوبها، مثل تونس ومصر .. لم يكن سوى “ربيع” للتيار الإسلامي، الذي خرج من القمقم مستغلا رياح الحرية التي هبّت على الوطن العربي.
-
الاستحقاقات الانتخابية التي أعقبت سقوط النظامين الديكتاتوريين في كل من تونس ومصر، حملت انتصارات للتيار الإسلامي، فحركة النهضة التونسية حصدت تسعين مقعدا في انتخابات المجلس التأسيسي، متقدمة على كافة التشكيلات السياسية التقليدية اليسارية واليمينية، بفارق كبير.
-
كما تمكن الإخوان المسلمون من هزم خصومهم السياسيين، بنجاحهم في فرض التعديلات التي دافعوا عنها في الدستور الجديد، أما الإسلاميون في ليبيا فقد أصبحوا، فجأة، القوة السياسية الأولى هناك، وقد أدرك هذا المعطى رئيس المجلس الانتقالي، مصطفى عبد الجليل، فراح يدغدغ مشاعرهم في خطاب “إعلان التحرير”، بتأكيده أن القرآن والسنة سيشكلان مصدر التشريع في مرحلة ما بعد الجماهيرية.
-
وبأسلوب أكثر تحضرا، كان إسلاميو تركيا قد بسطوا سيطرتهم على العملية السياسية في مهد الدولة العثمانية ونجحوا في تجريد أصحاب البذلة العسكرية من نفوذهم حتى داخل ثكناتهم، فسجنوا منهم 216 جنرال وماريشال، بعدما كانت المؤسسة العسكرية بمثابة الموجه الرئيسي لبوصلة العملية السياسية في هذا البلد، منذ إسقاط الخلافة الإسلامية في 1924 على يد مصطفى كمال أتاتورك.
-
هل دخل الوطن العربي مرحلة “الربيع الإسلامي” بحق؟
-
على الأقل، هذا ما بدأ يرتسم في الأفق، ويكون الموقف الغربي من إفرازات الثورات العربية مؤشرا قويا على بداية عهد جديد، في العالمين العربي والإسلامي، قوامه التعاطي مع ما ستقرره إرادة الشعوب، بعد أن اقتنع الغرب بأن الاتكال على الأنظمة الديكتاتورية التي لا تستند إلى أية شرعية شعبية، لحماية مصالحه، خيار ينطوي على الكثير من المخاطر، ولعل فجائية الثورة التونسية أبرز مثال على ذلك.
-
لقد سارعت الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا، إلى مباركة نتائج انتخابات المجلس التأسيسي في تونس، التي أفرزت فوزا ساحقا لحركة النهضة ذات الخلفية الإسلامية، وأعلنت استعدادها للتعامل مع الحكومة الجديدة، التي سترأسها شخصية إسلامية لأول مرة منذ استقلال تونس في العام 1956، كما لم يعد فوز الإخوان المسلمين في مصر، مصدر قلق لدى الغرب، وقد أعلن عن هذا الموقف حتى قبل إجراء الانتخابات التشريعية.
-
لقد تطلب مراجعة الموقف الغربي الرافض والمتوجّس من وصول التيار الإسلامي إلى السلطة في الوطن العربي، أكثر من عقدين من الزمن، ولعل الجميع لا زال يتذكر الحملة التي تعرضت لها الجزائر غداة فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ (المحلّة) في الانتخابات التشريعية مطلع التسعينيات، وقد شجّع هذا الموقف الغربي المعادي، المؤسسة العسكرية آنذاك كي توقف المسار الانتخابي.
-
وإن اتفق الجميع على خطورة القرار الذي تسبّب في إدخال البلاد في أزمات أمنية وسياسية غير مسبوقة، إلا أن ما عاشته الجزائر طيلة عشرية، شكلت محطة لمراجعة الذات، ساعدت حركات الإسلام السياسي في العالم، على إعادة النظر في بعض أفكارها ومناهجها، بما ساهم في تبديد مخاوف الغرف من إمكانية قيام أنظمة ثيوقراطية (دينية) تضع الآخر في خانة العدو الذي تنتظره الحرب، في حال نجاح الإسلاميين في الانتخابات.
-
لقد ساهمت الأزمة التي عاشتها الجزائر، في تطور نظرة حركات الإسلام السياسي لطبيعة الدولة، بحيث لم نعد نسمع من الأحزاب ذات الخلفيات الإسلامية المرشحة لاكتساح صناديق الانتخابات، عبارات مثل “الدولة الإسلامية”، وحلت محلها “الدولة المدنية”، شعار نجح حزب العدالة والتنمية في تركيا بزعامة رجب الطيب أردوغان، في تجسيده على الأرض ومكّنه من اكتساح خصومه في ثلاثة استحقاقات متتالية.
-
نجاح التجربة التركية شكل حافزا للتيارات الإسلامية في العالم العربي كي تغرف منها، وقد كان رئيس حركة النهضة التونسية، راشد الغنوشي، السباق لرفع لواء “الدولة المدنية” بديلا عن الشعار التقليدي “الدولة الإسلامية”، ورافقه في ذلك زعماء حزب الحرية والعدالة، الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمون في مصر، والحال كذلك بالنسبة لحزب العدالة والتنمية في المغرب، دون نسيان الأحزاب الإسلامية في الجزائر.