الوهم والحقيقة في الملف السوري
هناك حقائق لابد من الصدع بها قبل أن ندخل في تحليلنا لما هو دائر في ملف القضية السورية. أول هذه الحقائق: انه لا يتم حسم الصراع الدائر في سوريا حسب الأماني والرغبات أو حسب معيار الحق والباطل إنما حسب القوى وميزانها على الأرض وقدرة الأطراف المتنازعة على الحشد والتجييش السياسي والميداني، وللذين لا يعترفون بهذه الحقيقة ان ينظروا إلى تاريخنا العربي والإسلامي والتاريخ الإنساني، فكم من مرة انهزم أهل الحق وسحقوا؟!
ثاني هذه الحقائق: لا يمكن قياس قضية بقضية أخرى، فلكل قضية ملابساتها وحساسياتها وميزان المصالح من تداعياتها، وان تحمس الإدارات الغربية لقضية ما لا يعني إنهم يتحمسون لقضية أخرى بنفس الوتيرة، فهذه مراهنات قاتلة.. ثالث هذه الحقائق أن هناك خطوات أثناء المواجهات بسيطة قد تقلب النتائج رأسا على عقب، وان اي ثغرة في الموقف او في الصدام قد تحدث الهزيمة، وهنا لا يمكن الحديث عن واقع الصراع دوما بنفس الوتيرة.. حقيقة أخرى لا بد من ملاحظتها ان الأطراف الدولية المساندة لهذا الطرف او ذاك لا يمكن النظر لموقفها على انه ثابت، ذلك لأنه قابل للمساومة وبالتالي للتعديل او التغيير وليس للدول الكبرى موقف واحد ثابت انه يتغير حسب آخر نتائج الابتزاز والمساومة.
بعد هذه الحقائق الضروري استيعابها قبل تناول الموضوع لكي لا يتهم كل من يحاول فهم الواقع بأنه مع هذا الطرف او ذاك.. بعد هذا من المهم ملاحظة المواقف الدولية والإقليمية وتقييم الوضع الميداني على اعتبار ان الصراع في سوريا هو صراع إقليمي ودولي الى حد كبير وهو الذي يغذي الصراع الميداني.. ولكل طرف إقليمي ودولي مصالح اما بالأصالة او النيابة ويدفع من اجلها جهودا وأموالا وتضحيات..
في سوريا تكون المجموعات المسلحة من الجيش الحر والجيش الوطني وأنصار الإسلام وغيرها من كتائب الجهاد والتوحيد والقاعدة قد اختطفت العملية الثورية كلها على عدة عناصر بدأت بتحويل الثورة عن أساليبها السلمية الى العسكرة بحجة حماية الثورة، في حين إننا نسمع الآن يوميا عن قتل أعداد تفوق المائة، الأمر الذي لم يكن ليحصل أثناء الثورة السلمية، مما يكشف عن فشل تحقيق هدف حماية المدنيين الذين يتعرضون الآن لمأساة جراء القصف الحكومي والمناهض له.. ثم ان الخروج المسلح أفقد الثورة عنصرا أساسيا من مبرراتها، ثم لكي يستمر العمل المسلح كان لا بد من داعم خارجي وهنا حملت الثورة على أكتافها أوزارا جديدة عندما أصبحت قطر والسعودية – واللتان يتمتع النظامان فيهما بمنحة حكم أبدية للبلاد والعباد فيهما – ممولا بالمال والسلاح وتبريرا للقتل في سوريا وزاد الأمر سوءا وسوداوية عندما جهرت الإدارة الأمريكية والفرنسية بضرورة تسليح الثورة وتزويدها بما تحتاج، هنا أصبحت الثورة عبارة عن بيدق يتحكم فيه الممول، وأصبحت لغة الرصاص والأموال والقتل والتدمير هي الرائجة في مصطلحاتها، وفقدت المجموعات المسلحة براءتها بأن فتحت سوريا لكل البنادق المقاتلة عابرة القارات والأقاليم لتصبح سوريا مرتعا للعنف والقتل والفتن المذهبية والطائفية والعرقية مستقبلا.. أصبح هذا هو الجانب الأكثر جلاء في الثورة وضاعت صرخات الأحرار والثوار في ظل أزيز الرصاص وقصف المدافع والطائرات..
وعلى صعيد النظام الذي أخذ مواقف متيبسة وطاغوتية تجاه المظاهرات السلمية المحدودة في البداية وانجرف بعنجهية لمواجهة المتظاهرين من الصبية والمثقفين بعنف وقسوة ولم يحاول ان يتواضع لشعبه ويسرع بحلول حقيقية وجوهرية تمكنه من استعادة المبادرة لتجنيب سوريا المأساة الواقعة.. إلا ان النظام ظل يدير الأزمة بروح الاستدراج لتوريط القوى المعارضة في مواقف مشينة متسلحا بأنه مع المقاومة وان خصومه يسيرون في فلك المصلحة الصهيونية والإمبريالية.. ووجد النظام فرصته السانحة في تغيير معالم المعارضة وتوجيهها الى وجهة تثير حولها الشبهات والالتفاف على مطالبها عندما أغرقت في التسلح، الأمر الذي منح النظام في أعقاب كل عملية عسكرية الفرصة في الضرب بعنف..و حرر النظام من الجلوس لطاولة مفاوضات ترغمه على المسير نحو الحل السياسي الذي لا عنوان له إلا بتداول سلمي للسلطة.
وعلى صعيد الإدارة الأمريكية والغربية، فمن الواضح ان هناك عقبات حقيقية أمام القدرة الأمريكية في المحافل الدولية وتظهر أمريكا ترددا وعجزا وتخوفا في إمكانية الحسم منفردة او من خلال تحالف خارج مجلس الأمن وبتتبع الموقف الأمريكي يتضح ان الأمريكان في لحظة ما اندفعوا مع المنطق القطري والسعودي في ضرورة تسليح المعارضة، ولكنهم في النهاية عندما وجدوا ان الساحة السورية أصبحت جاذبة لكل أنواع السلاح والتوجهات المتطرفة، هنا لم يتردد الأمريكان في الإعلان عن رفضهم لتكدس المجموعات المقاتلة من عدة بلدان عربية وإسلامية من السعودية وليبيا وتونس وأفغانستان وغيرها.. ولأن أمريكا تدرك ان الفلتان في سوريا يعني بوضوح قلق وجودي على إسرائيل وإثارة فوضى ستصل الى الخطوط الإستراتيجية الأمريكية، هنا أصبح الموقف الأمريكي أكثر حيرة وغير جاد في الضغط بما يكفي لإسقاط النظام.
أما روسيا والصين فهما يدركان ان سقوط سوريا يعني تفرد الإدارة الأمريكية بالمنطقة تماما، ومن الواضح ان العلاقات السورية الروسية مستمرة ودائمة وثابتة، لأن الطرفين يدركان تماما طبيعة العلاقة بينهما ومصلحة كل منهما ولا يوجد ثمن كاف قد تقدمه أمريكا لأي منهما للتخلي عن حليفه.. وتقف روسيا على هذا الاعتبار مقاومة بشراسة لأي تغيير يحدث بالقوة في سوريا.
أما إيران الصديق الوفي لسوريا والتي ترى في سوريا النافذة العربية المشرعة لها في أوقات العسرة وشريكتها في دعم حزب الله وتكوين محور سياسي لحماية أطرافه في وقت الشدة.. إيران تنشط بكل ما لديها من قوة لمنع سقوط النظام، فلقد دفعت ايران مليارات الدولارات للخزينة السورية وتغطي شراء الأسلحة وتقدم خبراتها للنظام وتدخل مع دول عظمى كروسيا والصين في صفقات لحماية النظام..
الآن عندما نرى ان إيران تدعو لمؤتمر بخصوص سوريا ويحضر المؤتمر أصدقاء لأمريكيا مثل تونس والأردن والعراق بعد ان سقطت تركيا في الموقف المنحاز للمجموعات المسلحة، وهي تعاني الآن من نزف يصنعه المتمردون الأكراد والذين يمكن ان يتصاعد فعلهم فيما لو تصاعد تدخل تركيا في الشأن السوري، ثم ان الموقف التركي محكوم لسياسات الحلف الأطلسي.. اننا نستطيع ان نقول ان أمريكا تريد حلا سياسيا بعد ان أرهقت سوريا وجعلتها في وضعية نازفة تحتاج سنوات لإعادة الإعمار ولأم الجراح، وهي في هذا تحقق أمنا إسرائيليا مريحا لعدة سنوات.
بعد كل ما تقدم لا نرى اي حل يفضي إلى سقوط النظام، بل إلى تعديل جزئي فيه إلا إذا حصلت تغييرات جوهرية في الموقف الدولي والإقليمي، ذلك لأن الطرفين يستندان إلى مواقف دولية وإقليمية بشكل أساسي.. وهذا ما لا تظهر بوادر له حتى اللحظة.