-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
رقان لا تزال تعاني آثار التجارب النووية

“اليربوع الأزرق”.. شاهد على وحشية الاستعمار

مبعوث "الشروق" إلى رقان: ب. العربي
  • 2466
  • 0
“اليربوع الأزرق”.. شاهد على وحشية الاستعمار
ح.م

تحيي منطقة رقان بولاية أدرار الخميس 13 فيفري، الذكرى 65 لوقوع الجريمة النووية الفرنسية بمنطقة حمودية البعيدة بنحو 65 كم عن برقان، وحملت العملية اسم “اليربوع الأزرق”، وكانت قوة التفجير 70 كيلو/طن، تلتها تجارب أخرى بالمنطقة، مخلفة مئات القتلى من المعتقلين الجزائريين، الذين جلبوا من سجون مناطق شتى، خاصة من سيدي بلعباس، فضلا عن ضحايا من مواطني المنطقة.
لا تزال رقان تعاني صحيا واجتماعيا وبيئيا بفعل جريمة “اليربوع الأزرق” وما تلاها من جرائم أخرى، حيث تعرف المنطقة انتشارا كبيرا لأمراض السرطان والأمراض التنفسية والعيون والتشوهات الخلقية، إضافة إلى تراجع منسوب مياه آبار الفقارات، وبالتالي، تراجع الإنتاج الفلاحي، وانقراض أنواع من الحيوانات والنباتات، الأمر الذي بات يشكل تهديدا حقيقيا للحياة بالجهة.

بكاء الجنود الفرنسيين
ذكر كل من محمد دريسي 87 سنة، وعبد المالك بريشي 84 سنة، أن قوة تفجير القنبلة فاقت قوة زلزال مدمر، حيث وصل دويه إلى غاية قصور زاوية كنتة وتيمي، على بعد نحو 100 كلم من رقان، بينما اهتزت الأرض وتصدعت الجدران وانهارت أسقف بعض البنايات، وشعر سكان كل قصور المنطقة بالرعب، لأنهم لم يكونوا يعلمون بما تخفيه فرنسا من خلال تحركاتها العسكرية، رغم أنها شغّلت المئات من العمال بقاعدة الحياة المعروفة لدى البعض منهم بـ”التارقية”. وهذا حسب ما رواه لنا المذكوران وهما من عمال القاعدة وقتها وكانا قريبين من الأحداث.
وقال السيد بريشي إن بعض الجنود الفرنسيين بكوا قبل التفجير، بينما لم نكن نعلم بما هو قادم، حيث تم وضع لكل واحد من العمال والجنود وحتى المعتقلين والسجناء الذين تم جلبهم من مناطق أخرى، قلادة في رقبته، ووضع حيوانات وطيور في أقفاص، وبعد التفجير تطاير الغبار في كل مكان وتغيرت ملامح الجهة وبمرور السنوات بدأت الأمراض في الظهور وتراجع منسوب مياه آبار الفقارات وبالتالي الإنتاج الفلاحي، وبخاصة التمور، واختفت الكثير من الطيور والزواحف وسلالات الماشية والدواجن، واليوم نعاني من انتشار أمراض العيون والسرطان، فلا يكاد يخلو بيت في المنطقة من مريض أو معاق أو متخلف ذهنيا.. حسبي الله ونعم الوكيل في فرنسا”.

مركز مكافحة السرطان بحاجة إلى تدعيم
وفي سياق اهتمامنا بجانب التكفل بالضحايا، التقينا بالمدير السابق لمركز مكافحة السرطان بأدرار عبد الله باهتي، الذي صرح لـ”الشروق” أن هذا المركز الوحيد على مستوى الولاية، غير قادر على التكفل بالأعداد الكبيرة لضحايا الإشعاعات الناجمة عن التفجيرات النووية الفرنسية، وأن جهود الجهات الوصية والسلطات، يجب أن تُدَعم بالمزيد من الأخصائيين، فهناك عدة تجهيزات تحتاج لمن يشغلها، فضلا عن الحاجة الملحة لإطارات شبه طبية، موضحا أن مركز معالجة السرطان بأدرار خفف من عناء وأعباء تنقل العديد من المرضى، الذين كانوا قبل نحو خمس سنوات، يضطرون للتوجه إلى ولايات أخرى طلبا للعلاج، مبرزا أهمية استغلال هذا المرفق في خدمة المريض، والعمل على الحد من انتشار مختلف أنواع السرطان، من خلال التوعية، بالتنسيق مع المجتمع المدني.
وفي هذا الشأن، قالت فتحية باعلال وهي إطار بالمؤسسة العمومية للصحة الجوارية برقان، إن أنجع سلاح للوقاية من استفحال انتشار السرطان بمختلف أنواعه، هو الكشف المبكر، خاصة في ظل تسجيل إصابات بالسرطان وسط الفتيات اللواتي أعمارهن أقل من 20 سنة، كسرطان الثدي وسرطان عنق الرحم، حيث يتم سنويا تسجيل عديد الحالات المرضية، ما يستوجب تكثيف حملات التحسيس والتوعية في غير الشهر الوردي، وذكرى التفجيرات النووية، “فنحن في القطاع الصحي برقان لازلنا نحتاج للمزيد من الإمكانات والوسائل والمختصين لمكافحة مختلف أنواع السرطان والتي باتت تشكل خطرا على صحة المجتمع” تقول باعلال.
ومن جهته، يرى عبد الرحمان التومي رئيس جمعية “الغيث القادم” الخيرية الولائية لمساعدة المرضى، “مكافحة السرطان” سابقا، أن ما حدث برقان جريمة مكتملة الأركان، وعلى فرنسا الاعتراف بجريمتها النووية، وتعويض الضحايا، خاصة أن رقان سجلت عددا لا يحصى من المتوفين والمصابين بمختلف أمراض السرطان والتشوهات الخلقية. وقال نحن في “جمعية الغيث القادم”، كنا نتوقع الوصول لهذا الوضع الخطير الذي نحن فيه الآن، بعد تجاهل مناشداتنا في توفير الإمكانيات والتجهيزات الطبية لأجل الفحوص المبكرة للكشف عن السرطانات، لقد قلنا مرارا وتكرارا، إن رقان في حاجة لتجهيزات طبية وهيكل صحي لعلاج السرطان، فنحن في جمعيتنا تكلفنا بعدة حالات لنقلها خارج الولاية بمبالغ كبيرة، وسط ضعف التبرعات وإمكانات النقل إلى العاصمة وورقلة وولايات أخرى، لكن عدد الحالات في تزايد والجمعيات الصحية والخيرية باتت عاجزة عن التكفل بالمرضى، ما يستوجب تدخل السلطات العليا لإنهاء المعاناة.
ويقول الدكتور عبد الفتاح بلعروسي ابن قصر تيمادنين الذي يبعد سبعة كيلومترات عن مدينة رقان، إن آثار التفجيرات النووية خلفت وفاة أكثر من 42 ألف جزائري، وإصابة الآلاف، هذا إلى جانب تدمير البيئة والفلاحة، مطالبا فرنسا بالكشف عن خرائط دفن نفايات التفجيرات النووية وتنظيف الحمودية من الإشعاعات، ومشددا في تصريح لـ”الشروق” على ضرورة استرجاع السجل الصحي لرقان، وإنصاف الضحايا، وتوفير التغطية الصحية للمرضى، ووقف العمل بقانون “موران” الفرنسي الصادر بتاريخ 5 يناير2010 الذي أقصى الضحايا الجزائريين من مختلف أشكال التعويضات، بخلاف الفرنسيين، معتبرا ما حدث جريمة إبادة جماعية، وعليه لا بد كما قال الدكتور “بلعروسي”، من مواصلة كشف الحقائق للرأي العام الوطني والعالمي، من خلال مختلف السبل والوسائل، ومحاسبة المجرمين وتجريم الاستعمار، ردا على قانون تمجيد الاستعمار الذي أقره البرلمان الفرنسي.

“التوحد” يتفشى وسط أطفال المنطقة
من جهته، كشف رئيس جمعية “سند” لأطفال التوحد والصعوبات الذهنية، الأستاذ بوجمعة علامي، عن إحصاء 172 طفل مصاب بالتوحد، من بينهم قرابة 40 طفلا متكفلا بهم تربويا من قبل الجمعية بمقرها وسط المدينة، متوقعا ارتفاع عدد الحالات إلى 200 قبل نهاية السنة الجارية، معتقدا أن هناك عائلات لا ترغب في الكشف عن إصابة أطفالها بالتوحد، وعائلات أخرى ليس بمقدورها التنقل من قصور رقان وأولف وزاوية كنتة للتشخيص.
وبرأي محدثنا، فإن ارتفاع عدد حالات التوحد هو نتاج لآثار التفجيرات النووية الفرنسية، ويضيف أنه بعد عامين من تأسيس الجمعية، تحسنت وضعية عشرات الأطفال لكن ضيق المقر الحالي وعدم إدماج “الأرطفونيين” والأخصائيين النفسانيين والمساعدين في مناصب عمل دائمة، يحول دون تجسيد أهداف الجمعية، فبعض المؤطرين يتنقلون ثلاث مرات أسبوعيا من أولف وأادرور بزاوية كنتة اللتين تبعدان على التوالي بـ90 و80 كلم عن رقان تطوعا، ونخشى يضيف علامي بعد تكوينهم واكتسابهم الخبرة مغادرة الجمعية، مناشدا السلطات والجهات الوصية، تخصيص مقر جديد أوسع ومجهز ومنح المتطوعات مناصب عمل دائمة تفاديا لمغادرتهن الجمعية وتعثر مشروع التكفل بهذه الفئة، متمنيا الإسراع في إنجاز مركز متعدد الاختصاصات للتكفل بالأطفال ذوي مختلف العاهات الذهنية والحركية والمكفوفين، بدلا من مركز متخصص لفائدة فئة معينة، لأن رقان في حاجة إلى مرافق للتكفل بكل المرضى وذوي الإعاقات الذين هم في حاجة إلى تكفل صحي واجتماعي وتربوي، وبخاصة الصغار منهم.

تحرك برلماني
وبهذه المناسبة ينظم الخميس، المجلس الشعبي الوطني بالمركز الدولي للمؤتمرات عبد اللطيف رحال يوما دراسيا بعنوان “التفجيرات النووية في الجزائر .. جريمة ضد الإنسان والبيئة”، ويركز هذا اليوم الدراسي بحسب بيان للمجلس، على الآثار المدمرة للتفجيرات النووية التي أجرتها القوة الاستعمارية في الجزائر، ولا تزال تداعياتها قائمة حتى يومنا هذا، كما يهدف إلى تعزيز الوعي العام بهذه الجريمة التاريخية، وفتح النقاش حول سبل تحقيق العدالة البيئية والإنسانية وجبر الضرر.
ومن المنتظر أن يشارك في هذا اليوم الدراسي خبراء جزائريون وأجانب في مجالات القانون، البيئة، والصحة، وستتم بالمناسبة مناقشة الجوانب الصحية، البيئية، والقانونية لهذه التفجيرات، كما سيتم تسليط الضوء على الجهود الوطنية المبذولة من أجل التخفيف من آثار هذه الكارثة البيئية، ويجمع منتخبون وناشطون جمعويون ومواطنو قصور رقان، على ضرورة تنظيف المنطقة من الإشعاعات، والكشف عن مواقع دفن النفايات، من خلال استرجاع الخرائط من باريس، وكذا تسليم السجل الصحي، وتعويض الضحايا ماديا ومعنويا، آملين من البرلمان تجريم الاستعمار ودعوة باريس للتفاوض بشأن مخلفات جرائمها ونفاياتها النووية، في ظل ارتفاع عدد المرضى والمتوفين من مختلف الأعمار.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!