امتيازات البرلمان تفضح “نفاق” المعارضة في الكيل بمكيالين!
إلى وقت قريب، كانت المواعيد الانتخابية فرصة للمعارضة في تعرية السلطة وكشف مخالبها، من خلال رصد التجاوزات الإدارية في حقّ الإرادة الشعبية، والركوب على موجة التزوير للطعن في شرعية المؤسسات التمثيلية، ومن ثمّ إحراج نظام الحكم ومحاولة ابتزازه عبر كافة المحطّات السياسية، أمّا الآن فتبدو الصورة معكوسة، فقد تجد السلطة الفرصة سانحة لفضح ممارسات الطبقة السياسية، وإبداء سلوكاتها المتناقضة بمظهر “النفاق” السياسي القائم على قاعدة الكيل بمكيالين!
هذا ما تفصحُ عنه المواقف الأولية لأهمّ ركائز المعارضة التي تسارع الخطى هذه الأيام في طريق الهرولة نحو البرلمان المنعوت بأشنع الأوصاف في كلّ العهدات التشريعية منذ 1997، ذلك أن “المُفتين” بحرمة النتائج الانتخابية لا يجدون حرجا في أكل جيفتها، ولن يُعدموا سببًا في تبرير التناقض على قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات” أو وفق النظريّة الميكيافلية “السياسة فنّ الممكن”!
ألم تشهر أحزاب المعارضة في معظمها، لاسيما المنضوية منها تحت لواء “هيئة المتابعة والتشاور” ورقة المقاطعة والرفض الجذريّ لكلّ عروض السلطة في الأشهر الأخيرة، وعلى رأسها الحوار حول الدستور، كأسمى وثيقة في تنظيم الدولة والمجتمع، فضلاً عن قانون المالية والانتخابات والهيئة العليا لمراقبتها وسواها كثير، بل إنها ربطت موقفها النهائي في التعاطي مع السلطة بالاستجابة الكاملة لمطالب أرضية “مازفران”، ودون ذلك، فقد اعتبرت الإرادة السياسية مفقودة في تحقيق الانتقال الديمقراطي، وبالتالي لا جدوى من الجلوس على طاولة التفاوض مع أصحاب القرار، ناهيك عن تصديق شعارات الدولة المدنيّة.
ماذا تغيّر بعد تلك الجولات الصاخبة من المقاطعة والتشهير بسلطة البلاد في سياق إقليمي ودولي جدّ حساس؟ كيف اقتنعت قيادة الأحزاب بدخول معترك الانتخابات التشريعية المرتقبة ربيع العام القادم، بل إنّ بعضها تعجّل الإعلان عن دخوله الاستحقاق، وحتّى الباقي، لا شكّ أنه حاسم لخيار “المنافسة”، ولكنه يبحث فقط عن إخراج يحفظ به ماء الوجه بفعل التقلّب في المواقف بين عشيّة وضحاها!
طبعا ليس من حقّنا أن نعطي دروسًا للأحزاب في تدبير الفعل السياسي، أو التقرير بدلاً عن مناضليها، لكن السؤال الذي يشغل بال الشارع نعيد طرحه: لماذا الكيل بمكيالين، أليست السلطة العليا التي “خاطت” الدستور على “المقاس”، ومرّرت كافة القوانين ذات الصلة بتنظيم الحقل السياسي هي ذاتها المشرفة غدا على الانتخابات المنتظرة، وبالتالي لن يتجاوز نصيب المشاركين فيها ما تتكرّم به جهة الحكم عليها من مقاعد نيابية، ليقتصر حضورها على دور باهت في مسرحية سخيفة، بمنطق المعارضة وتفكيرها!
ولمن نسي منهم، نذكّره على سبيل المثال لا الحصر، بتصريح رئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري، تعليقا عن مقاطعة التصويت على الدستور، حين قال “لقد حرمنا السلطة من إضفاء الديمقراطية على هذه العملية، وأفشلنا مخططها في تسويق هذه الصورة عبر وسائل إعلامها في اتجاه الخارج خصوصا، وفي تغليط الجزائريين البسطاء”، فهل تنازلت المعارضة للسلطة الآن، لتمنحها مستقبلا تزكية على بياض، أم أنّ الأخيرة تابت عن خطاياها في طور “الدولة المدنيّة”!
المراقبون يدركون جيّدا أن الطبقة الحزبيّة الموروثة عن عشرية الدم، والوافدون الجدد على عالم السياسة المفعم بالمغريات، تُسيل لعابهم المناصب ولا يصمدون أمام مزايا المواقع، وإن رغبوا في العدول عن طمعهم المادّي، فلن يقدروا على مواجهة الجموح القاعدي المتطلّع للراحة تحت قبة زيغود يوسف، وما تجلبه من منافع ماليّة ومآرب أخرى!
لسنا في خندق الداعين للمقاطعة، لكنّ الأحرى بالأحزاب المتهافتة على الانتخابات اليوم أن تبرّر مواقفها أمام الرأي العام، وتعترف بكلّ شجاعة بأخطائها إن وُجدت، فربّما أساءت سابقا لاستقرار البلاد وصورتها حين جنحت للتطرّف، واضعة البلد على كفّ عفريت، وإن لم تفعل ذلك، فستبقى “الانتهازيّة” قرينة لأفعالها المحكومة بالمصالح الضيقة عوضًا عن مصير الوطن الجامع.