ان هذا لفي الصحف الأولى..
* للعام الرابع على التوالي، أعيش مظاهر قرب الاحتفال بعيد الاضحى المبارك بمدينة عنابة، وللمرة الرابعة، أحاول فهم المغزى الذي يجعل الناس على مختلف أوضاعهم الاجتماعية في هذه المدينة الجميلة، يقدمون على بيع حليهم وأثاث منازلهم بأثمان بخسة، من أجل اقتناء كبش العيد، وادخال السرور على الأطفال لا أكثر ولا أقل؟
وللعيد الرابع أيضا، لم أفهم لماذا يرفض العنابيون مهما اختلفت رؤاهم ومستوياتهم الفكرية والدينية وأوضاعهم الاجتماعية، اقتناء كبش غير مقرون، لأنه لايستطيع – حسبهم – الدفاع عنهم من هجوم خارجي محتمل أو اعتداء غاشم غير متوقع، أو أن يبادر الى حملهم على كتفيه يوما وهم في أمس الحاجة إليه.
عيد الاضحى أو مهرجان الكباش الأكبر في عنابة وما جاورها، لا يقتصر فقط على اتباع سنة سيدنا ابراهيم عليه السلام، عندما نجى الله سبحانه وتعالى ابنه اسماعيل عليه السلام من الذبح، وفداه بكبش عظيم، بل تتجاوز هذه التظاهرة عندهم حدود المنطق والتصور والمعقول!!
فمهرجان النطح الأعظم ينطلق في أوسع الساحات الشعبية، وأكثرها اكتظاظا وضجيجا، باجراء مسابقات النطح والاستعراض وتخضيب الأضحية، على شاكلة “طرزان.. بيل دوزر ـ الغول ـ منادي ـ الشاوش ـ وألقاب أخرى” بالحناء وتوسيمها بقلائد ذهبية وفضية، بل عرضها في أكثر من مرة على حلاقين اخصائيين لتحسين صوفها، وجعلها أنيقة جميلة بعد رشها بالعطر والياسمين.. وغيرها من الطقوس الأخرى التي يجزم البعض بأن ذكرها جاء مفصلا في الصحف الأولى في البلاد!
من عدم تحديد هويات هذه الصحف الأولى، أو التدليل على مواقعها في الكتاب والسنة، فإن نوايا الناس في عنابة والذين لايتخلف فقيرهم ولا غنيهم على اقتناء الكبش ونحره يوم عيد الاضحى المبارك، لا يفهمون سر بكاء الصبية وهم يودعون كبشا جميلا أنيقا رفع رؤوسهم يوم النطح الأكبر، وفاز بكأس المدينة الذهبي، وتأهل الى النهائي أمام تصفيقات الحضور وزغاريد النساء أيضا.
وبالعودة الى أحكام الآية الكريمة »لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم . كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين« سورة الحج، وقبل أن نحتفل بنتائج الليغا “الكبشية” بمقاطعة بونة وما جاورها للموسم الرابع على التوالي، ينبغي التذكير أنه كان من هدْيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ اختيارُ الأضحية، واستحسانها، وسلامتها من العيوب، ونهى أن يضحَّى بمقطوعة الأُذن، ومكسورة القرن ـ النصف فما فوق ـ وأمر أن تستشرف، وينظر إلى سلامة العين والأذن، وألاَّ يضحى بعوراء، ولا مقابلة، ولا مدابرة، ولا شرقاء، ولا خرقاء.
والمقابلة: هي التي قُطع مقدم أذنها، والمدابرة: التي قطع مؤخر أذنها، والشرقاء: التي شقت أذنها، والخرقاء: التي خرقت أذنها.
ما لا تجزئ ما قال في شأنها عليه السلام: »لا يضحَّى بالعرجاء بيِّن ظَلْعُها، ولا بالعوراء بين عَوَرها، ولا بالمريضة بين مرضها، ولا بالعجفاء التي لا تنقي – أي: الهزيلة«.
وأفضلها ما كان يضرب لونُه إلى بياض غير ناصع؛ لما أخرجه الإمام أحمد من طريق أبي هريرة: أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: »دم عفراء أحبُّ إليَّ من دم سوداوين«، ولما ثبت عنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم »أمر بكبشٍ أقرن يطأ في سوادٍ، وينظر في سوادٍ، ويبرك في سوادٍ، فأُتي به فضحَّى به«.
وعندما نتألم من كل هذا، ونتأمل في كل ذاك، نفهم جليا أن ما جاء في الصحف الأولى، صحف ابراهيم وموسى، وما تضمنته أحكام القرآن الكريم من فضل الأضحية في الاسلام، انما يتجاوز مسألتي النطاح والاستعراض، ورهن الحلي والذهب والجواهر، الى ما هو أعمق من ذلك بكثير، وإلا فما المغزى من ربط موعد الحج الأكبر باليوم العاشر من ذي الحجة والذي ينتهي عندنا دائما وأبدا بالصلاة والنحر؟