-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

انقسام مجلس الأمن يضع قضية الصحراء الغربية أمام مفترق حاسم

بقلم: عالي إبراهيم محمد
  • 4172
  • 0
انقسام مجلس الأمن يضع قضية الصحراء الغربية أمام مفترق حاسم

على غير العادة، يشهد مجلس الأمن الدولي منذ منتصف أكتوبر الجاري مشاورات مكثفة بين أعضائه المؤثرين بهدف التوصل إلى توافق حول مسودة القرار المتعلقة بالصحراء الغربية، المتوقع عرضها نهاية هذا الشهر للمصادقة في جلسة علنية برئاسة روسيا الاتحادية، التي تعارض بشدة أي خروج عن الصيغ السابقة المتوافق عليها في لغة ومصطلحات ما يُعرف بـ”المشروع صفر”، الذي تعدّه واشنطن بصفتها “حاملة القلم”، بالتعاون مع باريس ولندن وبقية أعضاء ما يسمى “مجموعة أصدقاء الصحراء الغربية”.

ويبدو أن الولايات المتحدة تعمل هذه الأيام بنشاط لإدراج فقرات جديدة لا تراعي شرط الحياد المطلوب من جهة، وتتعارض مع القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن السابقة من جهة أخرى، وهو ما قد يؤدي إلى تغيير جذري في مسار القضية، يهدف أساساً إلى تفريغها من جوهرها الأصلي بوصفها قضية تصفية استعمار لا يمكن حلها إلا عبر تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرير المصير.

يمكن أن تقود كل من موسكو والجزائر جهودا دبلوماسية مشتركة لإقناع الدول الأخرى بعدم التصويت لصالح مشروع القرار، ومن ثمّ ضرب النصاب القانوني لاعتماد القرار دون اللجوء للفيتو، وبهذا يتمّ الإبقاء على الوضع الراهن كما هو عليه مؤقتا، وإقناع واشنطن بالعدول عن التعديلات الجديدة التي تريد إدراجها لتقوض عمل بعثة المينورسو والمس بصورة ومصداقية المجلس وأعضائه الدائمين.

ترى روسيا الاتحادية، التي تواجه الموقف الأمريكي، أن الحياد واجب، وأن مجلس الأمن مطالَب بالالتزام بالشرعية الدولية في صيغة الحل النهائي للنزاع، والتوافق على طبيعته بين الطرفين أيًّا كانت صيغته، على أن يجري ذلك عبر مفاوضات برعاية الأمم المتحدة لا بإجراءات أحادية قد تُحدث نتائج عكسية على السلم والأمن، ودور الهيئة الأممية في تسوية النزاعات سلميًّا وفق القانون الدولي. وبهذا تقف موسكو على مسافة واحدة من الطرفين، ما يجعلها اليوم الدولة الوحيدة في المجلس القادرة على قيادة وساطة نحو حلٍّ سلمي يحفظ مكانة مجلس الأمن الذي بدأ ينحرف عن دوره في حل النزاعات سلميًّا وصون الأمن الدولي.
وفي ضوء هذه التطورات المتسارعة وغير المسبوقة داخل مجلس الأمن بشأن قضية الصحراء الغربية، ومع غياب اتفاق حول “المشروع صفر”، يُرجَّح مع اقتراب موعد جلسة الحسم أن تقبل واشنطن بإجراء تعديلات إضافية على الوثيقة التي قدَّمتها للمشاورات، بما يعكس سعيًا لاعتماد مقاربة وسط بين تقرير المصير والحكم الذاتي، تجعل القرار متوازنا ومرنا، يسمح لكل طرف بتفسيره بما يخدم موقفه. وبذلك يتجنَّب المجلس التصعيد المحتمل ويمنح مزيدا من الوقت للجهود السياسية التي يقودها الأمين العام للأمم المتحدة عبر مبعوثه الشخصي.
النهجُ المتوازن الذي دعت إليه الهيئة الأممية سبق أن أكده وزير خارجية روسيا الاتحادية سيرغي لافروف خلال ندوة صحفية بموسكو في 13 أكتوبر الجاري، حين قال إن بلاده، فيما يخص قضية الصحراء الغربية، ستظلّ كما كانت دائما تؤيد الشرعية الدولية والقرارات التي تضمن حق تقرير مصير الشعب الصحراوي، معتبرة في الوقت نفسه أن المقترح المغربي للحكم الذاتي قابلٌ للنقاش والتنفيذ بشرط موافقة الأطراف وفي إطار مفاوضات ترعاها الأمم المتحدة فقط.
وبذلك يمكن القول إن موسكو كانت سبّاقة في توجيه رسالة إلى واشنطن تدعو إلى موقف متوازن يهيِّئ لمناخ هادئ وإيجابي لنقاش القضية داخل مجلس الأمن، ويساهم في تفادي تفاقم الخلاف العميق في المشاورات، الذي بات يعكس حجم الأزمة بين الدول المؤثرة في المجلس، ويؤثر على فرص التوافق واحترام القانون الدولي، نتيجة الأساليب التي اعتمدتها واشنطن في السنوات الأخيرة عند صياغة القرارات المتعلقة بالقضية الصحراوية.
أما واشنطن، ورغم الصورة التي تحاول إظهارها كقوة مهيمنة على السياسة الدولية وربان التحولات الجيوسياسية في العالم، فإنها تخشى أن تستخدم روسيا حق النقض ضد مشروع القرار حول الصحراء الغربية، نظراً لأن القضية مدرَجة ضمن الفصل السادس المتعلق بحل النزاعات سلميًّا، ومن ثمّ لا تمثل تهديدا مباشرا للسلم أو لمصالح القوى الكبرى. ورغم أن موسكو لا تبدي حماسا لاستعمال الفيتو، فإن الاحتمال يظل قائما، خصوصا بعدما أعلنت رفضها الصريح للإجراءات الأمريكية الأحادية في إعداد وصياغة القرارات الخاصة بالنزاع، وللأسلوب المتَّبع في إدخال تعديلات على المسودات من دون تشاور مع بقية الأعضاء أو الحصول على موافقتهم.
كما يمكن أن تقود كل من موسكو والجزائر جهودا دبلوماسية مشتركة لإقناع الدول الأخرى بعدم التصويت لصالح مشروع القرار، ومن ثمّ ضرب النصاب القانوني لاعتماد القرار دون اللجوء للفيتو، وبهذا يتمّ الإبقاء على الوضع الراهن كما هو عليه مؤقتا، وإقناع واشنطن بالعدول عن التعديلات الجديدة التي تريد إدراجها لتقوض عمل بعثة المينورسو والمس بصورة ومصداقية المجلس وأعضائه الدائمين.
وعلى الرغم من الخلاف الحاصل في المواقف حول صيغة الحل، إلا أن الطرفين جبهة البوليساريو والمغرب والأطراف الأخرى المرتبطة بالنزاع، تُجمع على أن الوقت قد حان للخروج من أزمة اللاحلّ في الصحراء الغربية، لما لها من تداعيات قد تعصف بسلم المنطقة برمتها واستقرارها في المستقبل القريب. وقد قدمت جبهة البوليساريو بالفعل  مقترحا جديدا وموسَّعا يشمل رؤيتها للحل الذي يمكن أن يضمن تقرير مصير شعب الصحراء الغربية والسلم الإقليميين، وهي خطوة إلى الأمام وفي الاتجاه الصحيح لتصريف الضغط الدولي وتقديم رؤية لا تتجاوز الخطوط الحُمر المتعلقة بحق الصحراويين في تحديد مستقبلهم بإرادتهم بكل حرية، مع التزامها بالقانون الدولي والقرارات الأممية.
وفي مقابل ذلك، ركز الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي من جانبهم على أهمية دور المجلس في دعم الجهود المبذولة للمضي قُدما في العملية السياسية والمفاوضات الجادة لتفادي التصعيد وربط الوضع على الأرض في الصحراء الغربية بجوارها القريب، خاصة منطقة الساحل وما تعيشه من تدهور أمني. هذه التحذيرات يمكن قراءتها كنوع من الرغبة في حشد مزيد من الدعم لخطته الجديدة- القديمة من خلال الضغط على أصحاب المقاعد الـ5 في مجلس الأمن الدولي، لتحمُّل جزء من المسؤولية تجاه الحفاظ على السلم والاستقرار في تلك المنطقة، لضمان مصالحهم الحالية والمستقبلية في وجه التطورات الميدانية التي قد يُحدثها أي تغيير لمسار القضية داخل المجلس.
في الجانب الآخر، وباعتبارها اللاعب المحوري والاستراتيجي فيما يخصّ مستقبل المنطقة المغاربية وشمال إفريقيا، تصر الجزائر على تأكيد موقفها الواضح في هذا الصدد، والمتمسك بالشرعية والقانون الدوليين وبقناعة بأن لا حلّ خارج رغبة الشعب الصحراوي. وما يجعل الموقف الجزائري موضع اهتمام من قبل القوى المؤثرة، هي أهمية هذا البلد كشريك قوي ومتكامل في المنطقة، إذ أنه البلد الوحيد الذي يجمع بين القوة العسكرية في مواجهة التهديدات الأمنية وبين القدرة على فرض استتباب الأمن والتقدُّم على المستوى الاقتصادي بالنظر إلى موارده الطبيعية الهامة، وانفتاحه على جميع القوى العظمى، ما يجعله محط اهتمام الغرب ومحور المنطقة المغاربية وشمال القارة.
أما على مستوى أوروبا، حيث يكمن الخلل الحقيقي الذي عمَّق الأزمة في الصحراء الغربية على مدار خمسين سنة الماضية، بسبب عُقدة الماضي التي ما تزال تلازم القوى المؤثرة التي تقود السياسة الخارجية للقارة العجوز خلف تحالفهم (مجلس الإتحاد الأوروبي وسلطته التنفيذية)، تلك المواقف المتشدِّدة التي لم تكن يوما وفاءً للعلاقات “التاريخية” مع قوة الاحتلال المملكة المغربية أو المصالح الاقتصادية فحسب، مثلما يروِّج له ويُراد لنا أن نقتنع بذلك، فلا يمكن لتلك الخطابات أن تمحور تاريخ الصراع بين فرنسا والصحراويين الذي بدأت شرارته في  تيجكجة سنة 1905 واستمرّ إلى العام 1933، وفق مذكرات الرائد الفرنسي جوزيف گورو قبل التنسيق أو التحالف العسكري الإسباني- الفرنسي ضد المقاومة الصحراويين الذي بدأ في العام 1934 واستمرّ لاحقا على المستوى السياسي إلى عصرنا الحالي.
المصالح الاقتصادية كغطاء لعقدة الماضي، تُستخدم اليوم من لدنّ باريس كورقة ضغط جديدة على مستوى مجلس الأمن الدولي ضد جبهة البوليساريو للمقايضة نيابةً عن باقي الدول الأخرى المستفيدة من اتفاقيات الشراكة الأوروبية- المغربية التي تشمل الصحراء الغربية بصورة غير قانونية، والغاية من ذلك دفع ممثّل الشعب الصحراوي إلى التخلي عن معركته القانونية أمام محكمة العدل التابعة للإتحاد الأوروبي، كشرط لإبقاء الوضع في الصحراء الغربية على ما هو عليه أو الدفع نحو التحوُّل الجذري لقرارات مجلس الأمن بشأن طبيعة النزاع ومعه المركز القانوني للإقليم وحق تقرير المصير التي شكلت جوهر مداولات المحكمة والقاعدة الأساسية التي بنى عليها القضاة الأحكام التاريخية في 21  ديسمبر 2016  و27  فبراير 2018  ثم 4 أكتوبر 2024.
وفي ضوء كل هذه التجاذبات وتضارب المصالح الاقتصادية والجيوسياسية التي باتت تحكم مواقف الدول والمنظمات، بعد أن بلغ مداها التأثير والتغيير الجذري للقرارات الصادرة عن الهيئات الأممية على غرار مجلس الأمن بشأن الصحراء الغربية، يجب أن تشكل بداية فعلية لرحلة الوعي الوطني الصحراوي نحو الغاية الأصلية، والتي هي التحرُّر، الذي يُشرعن لنا اعتبار أي قرار يتنكّر لحقِّنا في تقرير المصير والوجود ويقفز على سيادتنا على أرضنا، قرارا غير عادل، وغير مقبول، وغير فعَّال، ويفرض علينا التعبير بكل وضوح على مواجهته بالتجاهل ورفضه رفضا تاما، على اعتبار أننا لا يمكن أن نشترك بأي شكل من الأشكال في تحريف القانون الدولي، ولا في قبول أي انتهاكٍ له.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!