بئر السلام ببجاية… من هنا مر ابن بطوطة وابن خلدون
على مدخل مدينة بجاية، حيث تلتقي زرقة المتوسط بشموخ جبل “يما ڤورايا”، يقف “بئر السلام” كشاهد أبدي على قرابة 959 عام من الزمان، هذا المعلم الذي ضُربت أولى لبناته في عام 1067، تزامنا مع تأسيس السلطان الناصر بن علناس لمدينة بجاية، ليس مجرد بئر للماء، بل هو بوابة زمنية تربطنا بعصرها الذهبي، يوم كانت قلعة حصينة للعلم ووجهة لا غنى عنها لكبار العلماء والفقهاء من كل أصقاع العالم الإسلامي والغربي.
في العصور الوسطى، حين كانت بجاية تُلقب بـ”مكة الصغرى” لشدة ورع أهلها وكثرة زواياها، كان هذا الموقع يمثل محطة إجبارية وذات دلالة روحية عميقة، ومن أشهر من وطأت أقدامهم هذا الثرى، الرحالة العالمي ابن بطوطة الذي نزل ببجاية في القرن الرابع عشر، ووصف كرم أهلها وعظمة عمرانها، حيث كان هذا البئر وأمثاله نقاط استقبال الضيوف، كما شهد الموقع مرور العلامة ابن خلدون الذي عاش في بجاية وتولى فيها مناصب رفيعة، والشيخ المتصوف سيدي بومدين شعيب الذي اتخذ من هذه الحاضرة وطنا روحيا له.
ولأن دخول المدينة، التي كانت منارة فكرية وقبلة للمتصوفة والباحثين، يتطلب طهارة تليق بمقامها، تحول البئر إلى مركز للاغتسال والتنقية الجسدية والروحية، فكان هؤلاء العلماء والرحالة يغسلون غبار السفر عن أجسادهم وأرواحهم ليدخلوا أسوار الحاضرة بقلوب خاشعة، مستمدين من اسم البئر “السلام” الذي كان يغمر قلوب الزوار بمجرد وصولهم إلى مشارف الأمان تحت حماية الدولة الحمادية.
ومع تعاقب الحقب، ظل الموقع يحتفظ بمكانته كبوابة رئيسية للمدينة، ففي العهد العثماني كان نقطة تأمين وحراسة، وفي العهد الاستعماري، بعد عام 1833، استمر البئر في أداء دوره التاريخي كنقطة استقبال للقادمين عبر المسالك التي تُعرف اليوم بالطريق الوطني رقم 12، ورغم تبدل الأزمان، حافظ موقع بئر السلام على رمزيته باعتباره “المستقبل الأول” لكل داخل إلى بجاية، والمحطة التي تربط حاضر المدينة المزدهر بنشاطها الحيوي ومينائها العريق بجذورها الضاربة في أعماق التاريخ، وذلك قبل إنشاء طرق وطنية أخرى.
وإدراكا لقيمته التاريخية، شهد بئر السلام في الأعوام الأخيرة أشغال ترميم وتهيئة هدفت إلى الحفاظ على هذا الإرث، ليظل شاهدا حيا يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويذكرنا بمن مروا من هنا من فلاسفة ورحالة.
إن كل من يقف اليوم عند هذا الموقع إنما يقف أمام إرث تراكم عبر قرابة عشرة قرون، لتبقى بئر السلام رمزا للترحاب البجاوي الأصيل، فهو المعلم الذي استقبل ابن بطوطة وابن خلدون وغيرهم من العظماء الذين جعلوا من بجاية عاصمة للمعرفة، ولا يزال، إلى يومنا هذا، يفتح ذراعي المدينة لكل قاصد، ليظل بوابة السلام في أرض العلم والجمال.