باريس ترفض توسيع نطاق تعويضات الضحايا الجزائريين!
كشف تقرير رسمي صادر عن لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والقوات المسلحة بمجلس الشيوخ الفرنسي، حول مشروع قانون الاعتراف بضحايا التجارب النووية الفرنسية وتحسين التعويضات الممنوحة لهم، أن باريس قد أبقت على شروط التعويض الخاصة بالجزائر من دون أي توسيع، مع إسقاط تعديلات كانت تصب في هذا الاتجاه، مقابل إدخال مقترحات واسعة لصالح المتضررين في بولينيزيا الفرنسية، ما يؤكد استمرار المقاربة الانتقائية لفرنسا في معالجة ملف ضحايا التفجيرات النووية التي أجرتها في صحراء الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية.
وجاء الكشف عن هذا الموقف الفرنسي من خلال تقرير رسمي للجنة الشؤون الخارجية والدفاع والقوات المسلحة، بمجلس الشيوخ “السينا”، وهو الغرفة العليا للبرلمان، أعده مقررها فرانسوا نوال بيفي، مؤرخ في 20 ماي 2026، اطلعت “الشروق” على نسخة منه.
إسقاط كافة تعديلات التمديد.. ولا إلزام للحكومة بتقديم خارطة أرشيف
وذكر التقرير أن فرنسا أجرت ما مجموعه 210 تجربة نووية بين سنتي 1960 و1966، بينها 17 تجربة في الصحراء الجزائرية، تضمنت أربع تجارب جوية بمنطقة رقان بين 1960 و1961، و13 تجربة تحت الأرض بمنطقة عين إيكر بين 1961 و1966، قبل نقل مركز التجارب النووية إلى بولينيزيا الفرنسية.
ويتحدث التقرير بإسهاب عن تطور منظومة التعويضات الخاصة بضحايا التجارب النووية الفرنسية، انطلاقا من قانون “موران” لسنة 2010، الذي اعترف لأول مرة بحق المتضررين في التعويض، لكنه يقر في الوقت نفسه بأن السنوات الأولى لتطبيق القانون كانت “غير مرضية”، حيث لم تتجاوز نسبة الملفات المقبولة للتعويض 3 بالمائة بين 2010 و2017، بسبب اعتماد معايير اعتبرتها جمعيات الضحايا ومنظمات حقوقية معقدة ومقيدة.
كما يشير التقرير إلى أن لجنة التحقيق التابعة للجمعية الوطنية الفرنسية، التي أنهت أعمالها في جوان 2025، أوصت بإعادة “منطق المسؤولية الكاملة للدولة”، مع توسيع نطاق الاستفادة وإلغاء بعض القيود التي حالت دون قبول آلاف الملفات، غير أن هذه التعديلات ركزت أساسا على وضعية بولينيزيا الفرنسية، بينما أبقت وضعية الصحراء الجزائرية من دون تعديل جوهري.
وفي هذا السياق، يبرز التقرير أن المادة الثانية من مشروع القانون الجديد لا تغيّر شروط التعويض المتعلقة بالتجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، حيث تم الإبقاء على نفس المناطق والفترات الزمنية المعمول بها منذ قانون 2010، أي الأشخاص الذين أقاموا أو تواجدوا بين 13 فيفري 1960 و31 ديسمبر 1967 بمركز التجارب العسكرية الصحراوي أو بالمناطق المحيطة به، وبين 7 نوفمبر 1961 و31 ديسمبر 1967 بمركز التجارب العسكرية للواحات والمناطق المجاورة له،من دون أي توسيع جغرافي جديد يشمل مناطق أخرى قد تكون تضررت من الإشعاعات النووية.
وورد في التقرير أن التعديل الذي اقترحه السيناتور أكلي ملولي ذو الأصول الجزائرية، على المادة 40 من نص القانون قد تم رفضه، والذي كان يهدف إلى توسيع نطاق شروط المكان الخاصة بالتعويضات عن التجارب التي أجريت في الجزائر لتشمل “جميع المناطق التي ثبت فيها وجود تساقطات إشعاعية ناجمة عن التجارب النووية الفرنسية أو التي يمكن علمياً إثبات وجودها فيها”.
كما حذفت اللجنة ذاتها مادة تم إدراجها خلال الجلسة العلنية لعرض القانون قدمتها كتلة “فرنسا الأبية”، كانت تهدف إلى إعداد تقرير حول التجارب النووية في الجزائر على أن تقدمه الحكومة الفرنسية في غضون 6 أشهر بعد صدور القانون، يتضمن جردا لكافة التفاصيل والمعلومات المتوفرة حول سياسة التجارب النووية الفرنسية في الجزائر، ويضم قائمة مرجعية بالمصادر التاريخية والعلمية الرئيسية حول هذا الموضوع، بالإضافة إلى خريطة للمجموعات الأرشيفية المعروفة.
لكن التقرير يوضح أن اللجنة وبمبادرة من مقررها تعديلا يقضي بحذف هذه المادة، وبررت ذلك بأن العمل المرتبط بالذاكرة يندرج أكثر ضمن اختصاص البحث التاريخي المستقل، وليس ضمن مهام هيئة حكومية.
في المقابل، وسّع مشروع القانون الفرنسي نطاق التعويض في بولينيزيا الفرنسية ليشمل كامل أراضيها خلال فترة التجارب الجوية بين 1966 و1974، مع إدراج فئات جديدة من الضحايا، بينهم المتضررون “بطريق غير مباشر” وأبناء النساء اللواتي تعرضن للإشعاعات أثناء الحمل، إضافة إلى مراجعة قرارات الرفض السابقة وإعادة دراسة أكثر من ألف ملف تم إسقاطها سابقا.
ويعترف التقرير كذلك بوجود اختلالات كبيرة رافقت إدارة ملف التجارب النووية، سواء من حيث نقص الحماية أو ضعف المعلومات المقدمة للسكان، ويؤكد أن بعض التجارب الجوية أدت إلى تساقط إشعاعات على مناطق مأهولة، بسبب أخطاء في التوقعات الجوية أو تغير اتجاه الرياح، كما أقرّ بأن السلطات الفرنسية لم تتخذ أحيانا إجراءات وقائية لحماية السكان رغم علمها المسبق بخطر السحب المشعة.
كما يتحدث التقرير عن الانتقادات الموجهة إلى اللجنة المكلفة بدراسة ملفات التعويض، بسبب اعتمادها على تقديرات جرعات إشعاعية مبنية على معطيات ناقصة أو غير دقيقة، فضلا عن اعتماد بيانات صادرة عن هيئة الطاقة الذرية الفرنسية نفسها، وهي الجهة التي أشرفت على تنفيذ التجارب النووية، ما أثار اتهامات بوجود تضارب مصالح وغياب الثقة في آليات تقييم الأضرار.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، فقد بلغت قيمة التعويضات التي دفعتها فرنسا لضحايا التجارب النووية منذ 2010 إلى غاية 2025 نحو 108 ملايين يورو، استفاد منها 1538 ملف فقط.