بحث في فائدة هذا الرجل!
لماذا يحكم المجتمع الجزائري خصوصا، والعربي عموما، على المرأة ذات الإعاقة بالإعدام مرتين؟ مرة ينظر إليها بعين الانتقاص، وربما الاحتقار، لكونها معاقة، ومرة أخرى بدعوى إعاقتها تلك، يحرمها من الفرحة، فيُقصيها من تكوين أسرة، ولاشك أن الآلاف من النساء المعاقات يعشن على هامش المجتمع يتجرعن مرارة العيش عالة على الأهل.
لقد شد انتباهي صورة إحدى بطلات الجزائر من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهي ترفع نداءاتها على إحدى القنوات تستجدي وظيفة تسد بها رمقها، حيث لم تجد أذنا صاغية ويدا ممدودة تنتشلها من فقرها وحاجتها، على الرغم من أنها حصدت العديد من الميداليات في المنافسات الجزائرية للعدو بالكراسي المتحركة، ولو كانت هذه العداءة البطلة تنتمي لإحدى الدول الغربية، لرفعت فوق الرؤوس والهامات، ولتم الاحتفاء بها على أساس أنها مثال للنجاح والتألق.
هناك تمييز في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بين الذكر والأنثى، وبين ذوي الاحتياجات الخاصة والأسوياء، فإذا كان المعاق رجلا تُفتح أمامه فرص تكوين أسرة، ليس من طرف أهله وحسب، بل من أسرة المرأة التي يتقدم لخطبتها التي “ترافع” من أجله أمام ابنتها إذا لم تبد رغبة في الارتباط به، وتتحدى كل من يقلل من شأن هذه الزيجة وينظر بعين الاحتقار لطرفيها، وهناك الكثير من القصص عن معاقين بشتى الإعاقات ممن عاشوا حياتهم بصورة عادية، لكن المرأة المعاقة ما تزال مقصاة من الحياة، ومحرومة حتى من الحلم، بل إن المرأة السوية التي تبلغ سنا معينة ولم تتزوج تدرج في خانة”المعاقات” اللواتي يسلب منهن الحق في الزواج من رجل “كامل الأوصاف”، وبالتالي لا تحظى إلا برجل يدخل ضمن خانة”النطيحة” و”المتردية”.
ولأن فرص زواج المرأة المعاقة من رجل سوي قليلة جدا، وعلى قلتها تكشف عن المعدن الأصيل لرجال قدموا صورا رائعة للتضحية، ارتأيت أن أشير إلى قصة مواطن جزائري تقدم لخطبة امرأة كفيفة، وتزوجها بالرغم من معارضة عائلته الشديدة، والطريف في الأمر أن هذه الزوجة لم تُقصر في مسؤولياتها، حيث إن بيتها من أنظف البيوت وأشدها ترتيبا، ولعلها في ذلك تفوقت حتى على النساء اللواتي لا يعانين من أية إعاقة أو مرض، وهذا باعتراف زوجها الذي يُفاخر بها أهله ومعارفه، وهو الذي كان بمقدوره أن يختار ما يشاء من النساء للزواج، ولما اعترض أهله على ارتباطه من امرأة فاقدة للبصر، أصر هو على هذه الزيجة محتجا بقوله”ماذا لو ارتبطت بامرأة سليمة معافاة من كل داء، وفجأة ابتلاها الله بمرض أودى ببصرها، وهذا كثيرا ما يحدث، هل أطلقها وأعيدها إلى أهلها، أم أواصل معها الحياة بصورة عادية؟”.
طبعا، لو كان في مجتمعنا رجالٌ نبلاءٌ في مثل تضحية صاحب هذه القصة، لاختفت الكثير من مظاهر البؤس التي تملأ حياتنا وتُطالعنا بها وسائل الإعلام صباح مساء، لذلك إذا صادفكم هذا النوع من الرجال فاعلموا أن الدنيا مازلت بخير.