بعد حرب المدن.. ما لا يمكن التراجع عنه في سوريا
أعلن مسؤولون في الجيش السوري الحر، أنهم بعد ما تكبدوه من هزائم في المرحلة الاخيرة سيعمدون إلى العمل داخل المدن وليس تحرير المدن.. وهذا يعني انتشار المسلحين في مجموعات تستهدف القوات النظامية والمؤسسات الحكومية عبر التراب السوري، وبالذات مدينة دمشق كما جاء على لسان متحدثين من الجيش الحر.
لابد من تسجيل عدة نقاط هنا قبل التعرف على وجهة الأمور في سوريا.. أولا: عجز قطر والسعودية في خطف القرار الرسمي العربي لصالح قرار دولي ينتظر على شغف تدخلا عسكريا يحسم الأمور في سوريا.. ثانيا: الموقف الروسي والصيني الرافض للمناورة الأمريكية والغربية تجاه اتخاذ قرار دولي بخصوص الحل العسكري ضد النظام السوري..ثالثا: محدودية الدعم الشعبي لموقف الجيش الحر وللدعوات الخليجية بتسليح الشعب والدعوة للتدخل العسكري الأجنبي.. رابعا: حضور المثالين الليبي والعراقي الناجمين عن التدخل الغربي في الشأن العربي الداخلي، وكيف تؤول الأمور إلى ما هو أسوأ من الوضع السابق.. خامسا: تماسك النظام السوري ومؤسساته بعد عام من الصراع الدامي، حيث لم تشهد المؤسسة العسكرية أو الأمنية أو الدبلوماسية، أي ارتجاج خطير.. وعلى صعيد الموقف السياسي لم يخضع الموقف الرسمي لموجة الضغوطات الكاسحة التي مورست عليه إقليما ودوليا.
هذه نقاط لابد من رؤيتها قبل الحديث الاستشرافي لمستقبل سوريا، وهنا يجب أن يكون واضحا أن الحديث لايتناول الجانب الاخلاقي للصراع بين الطرفين، ولا يبرئ ساحة أحدهما أو يكيل التهم للأخر بل لا يسير في اتجاه الإدانة عن خلل منهجي وقيمي وقع فيه أحد الطرفين، إنما هي عملية وصفية لمشهد يتنامى أمام أعيننا وعلينا أن نراه بأعيننا قبل أن نراه بمشاعرنا.. فماذا يعني أن يتحول الجيش الحر بعد أن فقد السيطرة على حمص وادلب ودرعا أو على الأصح مناطق في هذه البلدات؟؟إن هذا يعني أن يتحول الجيش الحر إلى عصابات تقوم بمهمات عسكرية ضد الدولة، ويسهل هنا توصيف اعمالها بالإرهابية وهذا من شأنه أن يوجه الضربة القاضية لمطالب الناس وحقوقهم في المطالبة والاحتجاج والثورة من أجل الحريات والعدالة الاجتماعية، ليتم تحويل المسألة كلها وكأنها عملية مغالبة بين قوتين عسكريتين.. ولنا أن نتصور كم سيدفع السوريون من امنهم واستقرارهم في الاوضاع القادمة، وكيف ستكون حالة الاستنفار في الأجهزة الأمنية السورية والتي ستشمل اجراءات قاسية وعنيفة، بل ومتجاوزة ضد المدنيين وضد الحريات العامة. ورغم هذا كله فإن ما ينبغي أن لايتم التراجع عنه أبدا هو الاقتناع بأن تغييرا حقيقيا لابد أن يجري في البلاد في اتجاه الاصلاح السياسي والحريات والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، وأن خطوات ضرورية لابد من اتخاذها على صعيد الافراج عن المعتقلين والعفو الشامل عن كل المطاردين، وأن تطوي سورية صفحة مأساوية من عمرها.
إن الشعب السوري يستحق حياة حرة كريمة، وأن يحكمه من يختاره وأن يمثله من يقتنع بهم، وأن يكون صوته عاليا حرا وأن يتنفّس هواءا نقيا، وأن يقوم لمهماته الحضارية عزيزا كريما .