بعد عقود من التهميش… مطالب بالاعتراف بدور العمال المهاجرين في بناء فرنسا
“نحن في سنوات الأربعينيات والخمسينيات والستينيات… في محطات القطار، والمطارات، وعلى الحدود، عبر البحر أو البر، يصل مئات الآلاف إلى فرنسا بعد أن غادروا بلدانهم الأصلية، عائلاتهم، وجذورهم. ترى فرنسا فيهم أيدٍ عاملة ستسمح لها، بأقل تكلفة، بالنهوض بعد الحرب العالمية الثانية. وهم يحلمون بحياة أفضل، غالبا ما تختصر في ادخار ما يكفي من المال للعودة يوماً إلى الوطن، مع إرسال ما يعيل العائلة التي بقيت هناك في انتظار ذلك”. بهذه الكلمات اختارت مجموعة من الشخصيات الفرنسية أن تستهل العريضة التي أطلقتها لمطالبة باريس بتكريس يوم الفاتح من جانفي يوما لاعتراف فرنسا بالعمال المهاجرين في فترة ما بعد الحرب.
فبالرغم مما يعرفونه اليوم من وصم واستهداف من طرف اليمين المتطرف الفرنسي، إلا أن المهاجرين في فرنسا شكّلوا الأمس، ولا يزالون يشكّلون اليوم، قوة عمل ضرورية.
“جاءت هذه الفكرة من تاريخي الشخصي والمهني. فمثل كثير من العمّال المهاجرين، يحمل والدي تاريخ ميلاد هو الأول من جانفي، وهو تاريخ مُنح تلقائيا من طرف الإدارة، وأصبح رمزيا لهذا السبب لدى العديد من العائلات المهاجرة. ومن هنا جاء اختيار هذا التاريخ”، تشرح لـ”الشروق أونلاين” الصحفية والناشطة، لطيفة أولخوير، صاحبة المبادرة التي كان من ضمن أوائل موقعيها كل من حاملة جائزة نوبل للأدب، آني إرنو، والأكاديمي أوليفييه لو كور غراندميزون، والمؤرخين فابريس ريسيبوتي ونعيمة ياحي، إضافة إلى الكاتبة أليس زنيتر، وآخرين.
كثير من هؤلاء العمّال المهاجرين كانوا يجهلون تاريخ ميلادهم، فحدّدته الإدارة الاستعمارية تلقائيا في الأول من جانفي، لكن وبخلاف تاريخ قدومهم إلى الحياة، الذي يجهله معظم هؤلاء المهاجرين، فإنهم يعرفون بدقة تاريخ وصولهم إلى فرنسا، البلد الذي ساهموا في بنائه.
وعمل هؤلاء المهاجرون في مناجم شرق فرنسا، فيما وجد آخرون أنفسهم يعملون على خطوط الإنتاج، أو في ورشات البناء.
وفي سنة 1954، كان 65 % من السكان النشطين الأجانب عمّالا، لترتفع النسبة إلى 77 % سنة 1975. وعلى مدى سنوات، عمل هؤلاء المهاجرون، غالباً في ظروف هشّة، في مهن شاقة، وهم يواجهون العنصرية، والوحدة، وجراح المنفى، والتهميش الاجتماعي، وخيبات الأمل أيضا.
وعاش بعضهم في فرنسا دون اعتراف، فيما نجح آخرون في الاستقرار، وجلب أقاربهم، وتربية أبنائهم في هذا البلد، مع الاحتفاظ بذاكرة الوطن الذي غادروه.
وتضيف محدثتنا: “بوصفي صحافية، أجريت مقابلات عديدة مع “الشيبانيين” القادمين خصوصا من الدول المغاربية (العمال المهاجرون الأوائل الذين قدموا إلى فرنسا في الخمسينيات والستينيات والذين بقوا يعيشون شيخوختهم في الغربة، التحرير)، ولاحظت أن هذه الروايات نادرا ما تذكر في كتب التاريخ أو في وسائل الإعلام عموما. ومن هنا تولّدت لدي فكرة تخصيص هذا اليوم لإبراز هذه القصص وجعلها مرئية أكثر”.
فنادرا ما تتحدث كتب التاريخ الفرنسية عن هؤلاء المهاجرين وعن إسهامهم في بناء فرنسا، فغالبا ما تختزل مساهمتهم في مجرّد أرقام، في حين تحكي حياتهم فصلا أساسيا من تاريخ فرنسا المعاصرة: شكوكهم، ندمهم، وذلك الاعتقاد الذي راودهم بإمكانية العودة النهائية يوما إلى الوطن.
وتمكّن هؤلاء المهاجرون الأوائل من تنظيم أنفسهم في جمعيات أو نقابات للدفاع عن حقوقهم أو للاحتجاج على الجرائم العنصرية، خاصة في سبعينيات القرن الماضي، كما كان لهم أيضا التزام تحرّري مناهض للاستعمار.
عام 2021، ووفقا لإحصائيات (INSEE)، كان في فرنسا، خارج مايوت، أكثر من 7 ملايين شخص من أبناء الجيل الثاني للمهاجرين. وإن لم يعيشوا تجربة الهجرة بأنفسهم، فإن أحد والديهم على الأقل مهاجر. من بينهم 45 % لهم أصل من البلدان المغاربية، و25 % من جنوب أوروبا، و12 % من إفريقيا جنوب الصحراء، و11 % من آسيا (5% من تركيا والشرق الأوسط و6 % من بلدان آسيوية أخرى، منها 2 % من جنوب شرق آسيا).
إقرأ أيضا – رئيس الجمعية الفرنسية المناهضة للعنصرية دومينيك سوپو لـ”الشروق”: نهاية “فرنسا الكبرى” وراء نزعة الكراهية تجاه الجزائر
اليوم، وفي ظل التمييز والخطابات الوصمية الراهنة التي يعيشها المهاجرون في فرنسا وأبناؤهم، تقول لنا أولخوير إن هذا المطلب موجّه أيضا إلى الأجيال الحالية والمقبلة من هؤلاء المهاجرين.
“وجودهم على الأراضي الفرنسية ليس محض صدفة. مساراتهم وحكاياتهم، وروايات آبائهم أو أجدادهم، هي جزء من التاريخ الفرنسي. وتكريس يومٍ كهذا يعني أيضاً ضمان ألّا يُشكَّك مستقبلاً في هذا الجزء من التاريخ”، تذكر لطيفة أولخوير.
ومع كون النقاش العمومي في فرنسا اليوم حول الهجرة يزداد توتّرا، وأحيانا عدائيا، تقول لنا أولخوير إنها تجهل هل يمكن لإقرار مثل هذا اليوم اعترافا بإسهامات هؤلاء المهاجرين أن يساهم في تهدئة التوترات. “الهجرة موضوع جرى توظيفه سياسيا إلى حدّ يصعب معه جعله أداة للتهدئة. لكن، في المقابل، سيسمح هذا اليوم بالحديث عن معطيات واقعية وبيانات رقمية، والخروج من دائرة الأوهام. ومن المهم التوضيح أن هذا التجمّع لا يقف إلى جانب من يدعون اليوم إلى هجرة نفعية بحتة”.
وفي ختام حديثها ل”الشروق أونلاين” تقول أولخوير، مخاطبة الشباب الفرنسيين من أبناء الهجرة، الذين يشعرون غالباً بأنهم مطالبون بإثبات شرعيتهم في بلد ساهم آباؤهم في بنائه: “أقول لهم إن هذا البلد بلدهم. بغضّ النظر عن الجدل، وبغضّ النظر عن الإصلاحات والحكومات المتعاقبة. هم هنا، فرنسيون بالكامل، ولديهم الشرعية للمطالبة بإبراز قصصهم بشكل أفضل، ولهم الحق في انتقاد فرنسا إن أرادوا، كما يسمح لأي مواطن بذلك. ليس من الصادم أن يشتكي بعض الفرنسيين مثلا من الضغط الجبائي، لكن لماذا يُشار بالأصابع إلى الفرنسيين الذين يطرحون أسئلة حول الماضي الاستعماري أو يرغبون في معرفة المزيد عن تاريخهم الخاص؟ يصبح الأمر مشبوها، وهذا غير مقبول”.