بل “خادم” في مهمة خاصة
ما نعتقد معرفته يحجب عنا في الغالب رؤية ما ينبغي أن نعرفه، ولست متأكدا أن ما علمناه حتى الآن عن ظروف إقالة بلخادم من جميع وظائفه في الدولة وحزب السلطة، كان إجراء عقابيا على خطيئة يكون قد ارتكبها رجل قادم من أعماق الدولة العميقة، خدمها كما لم يخدمها أحد من قبل في مواقع متنوعة.
دعونا نبدأ من حيث انتهت إليه أكثر التحاليل عقلانية، وقد اكتفت بجرد خارطة الأحداث القريبة منذ بداية العهدة الرابعة، وإعادة تنشيط رجلي النظام والسلطة الأكثر استعمالا في العقدين الأخيرين: بالخادم وأويحيى، وكان أبرز ما توقفوا عنده: اشتراك بلخادم في فعاليات الجامعة الصيفية لجبهة التغيير، وانتقاده الشرس لخذلان النظام المصري لغزة، أو أن الرئيس يكون قد ضاق درعا باستغلال بلخادم لمنصبه لضرب الاستقرار في بيت جبهة التحرير، وكلها أسباب وجيهة، لا تفسر قرار الطرد، بقدر ما تمنحه الحجة السياسية والأخلاقية.
كثيرا ما يتهمني القراء بالتغريد خارج السرب، وهي تهمة لا أنفيها، لأني لا أريد أن أكون سجين روايات الآحاد، ونحن هنا أمام نسخ لروايات الآحاد أغلبها منقطع، منسوب لمصدر مجهول، باستثناء ما جاء على لسان المعني ليومية وطنية، زعم فيها أن سبب إقالته يعود إلى “خلاف مع الرئيس حول الحزب، وحول بعض سياسات الحكومة”، ولو أن الأمر كما يقول لكان استقال، أو أقيل بالطرق المعهودة التي تعيد “الخدم” برفق إلى دكة الاحتياط، ثم إن الرجل ليس في تاريخه اعتراض واحد على سياسات الرئيس وهو على رأس الحكومة وأمانة جبهة التحرير، ولم يكن ميوله الإسلامي ليشكل عائقا، بل سمح له النظام برعايته والترويج له، لكي ترسخ الصورة، قبل توظيفه في “مهمة خاصة” هي ما ينبغي أن نتوقف عنده ولو كفرضية.
قبل تحرير الفرضية، وبكل تحفظ، أدعو القارئ إلى التوقف لحظة عند مشهد من حضر فعاليات الجامعة الصيفية لجبهة التغيير، ليجد أن أهم رؤوسها، هم موظفون سامون سابقون بالدولة، قد أعيد “تدويرهم” لشغل فضاء المعارضة وتعويقه، من أحمد غزالي وبن بيتور، إلى مناصرة وبن فليس، وحتى بقايا حمس والنهضة، ولا بأس أن أنوه بأول تصريح للسيد مقري، وهو يرحب بالوافد المُقال بلخادم على نادي جبهة التغيير.
الحكمة تقول: “قرب حبيبك منك وعدوك قربه أكثر”، ولو أن بلخادم صار خصما يخشى جانبه، لكان الرئيس قد حرص على توثيق قربه من سرايا السلطة، وليس منحه هكذا “شهادة اعتماد وحسن سيرة” كمعارض للرئيس، تفتح أمامه مسلكا سهلا للسباحة الحرة داخل أرخبيل المعارضة، وقد سبقته صورة مصنعة لرجل دولة قريب من الإسلاميين، يهاجم “الانقلابي” السيسي، ويزايد على الإسلاميين في بابا شجب خذلان الأنظمة العربية وجامعتهم في العدوان الأخير على غزة.
فما الذي يمنع أن يكون النظام، إنما أراد أن يزرع رجلا من دولته العميقة في صفوف المعارضة، بأمر مهمة خاصة، أعلى بند فيه: بناء قيادة آمنة لشتات الإسلاميين تحسبا للاستحقاقات القادمة، وأدناه إضافة منافس آخر لجنس الأرانب، له ما لبلخادم من خبرة في تفكيك وإعادة تدوير المستهلك من قطع الغيار الوافدة من خطوط تصنيع المعارضة من خدم سابقين للنظام؟