بوتفليقة يلتزم الصمت والأفلان في غرفة الإنعاش
فضّل رئيس الجمهورية، الرئيس الشرفي للأفلان عبد العزيز بوتفليقة، الحفاظ على نفس المسافة بينه وبين أمين عام جبهة التحرير الوطني المبعد عبد العزيز بلخادم، وبينه وبين خصومه من الحركة التقويمية في صراع الإخوة الأعداء داخل الحزب، ولمدة فاقت السنتين تحاشى الرئيس كلية أن يرجّح كفّة أحد الجناحين على حساب الكفّة الأخرى، ورغم الرسائل المتكررة والوسائط المتعددة إلا أن الرئيس الشرفي للحزب فضّل موقع الملاحظ والمتابع، وأبان زهدا وترفعا عن استخدام الصلاحيات التي يمنحها له القانون الأساسي والنظام الداخلي للحزب.
فهل الرئيس بوتفليقة، مجرد رئيس شرفي للحزب؟ أم أنه الرئيس الفعلي بصلاحيات كاملة تجعله الآمر الناهي؟ وإذا كان الرئيس الفعلي كيف له أن يبقى يتفرج وكل المؤشرات تقول أن دورة اللجنة المركزية تعد بمثابة عملية القلب المفتوح؟
منذ أن انفجرت الأزمة داخل حزب جبهة التحرير الوطني، منذ أزيد من سنتين وعناصر التنافي ووجهات النظر المختلفة والمتباينة تطبع نشاط وتحركات الإخوة الفرقاء، عدا نقطة واحدة ظلت دائما تشكل نقطة التلاقي بينهما، ويتعلق الأمر بهيئة الرئاسة أو ما يعرف بين قيادات وهياكل الحزب اصطلاحا بمنصب الرئيس الشرفي، إلا أن موقف بوتفليقة، وكيفية تعاطيه مع الأزمة السياسية داخل الآفلان والتزامه الحياد والصمت المطبق، بشهادة الأمين العام المبعد عبد العزيز بلخادم، الذي قال أن “الرئيس ليس معي ولا ضدي”، يفرض التوقف عند منصب أعلى هيئة للحزب داخل الآفلان، وجدوى استحداث منصب يتعفّف عنه صاحبه، ويرفض ممارسة الصلاحيات التي يخولها له هذا المنصب.
كل من حضر المؤتمر الثامن الجامع في جانفي 2005، يعلم أن رئيس الجمهورية، قبل منصب الرئاسة الشرفية الذي عرضه عليه المؤتمر على مضض، وقالها صراحة في رسالته للمؤتمرين يومها أنه يفضّل أن يبقى رئيس كل الجزائريين، إلا أن امتناع بوتفليقة اليوم عن ممارسة صلاحياته كرئيس للحزب، يجعلنا نتساءل عن الأسباب التي جعلته يقبل المنصب ولا يرفضه صراحة، كما يفرض علينا التوقف عند صلاحيات وضعت لتؤطر منصبا شرفيا.
الإجابة حاضرة وموجودة في بنود القانون الأساسي والنظام الداخلي للحزب، اللذين يؤكدان أن بوتفليقة رئيس فعلي للأفلان، وبكامل الصلاحيات التي تحظر عليه اليوم الوقوف وقفة المتفرج.
فالنظام الداخلي للحزب يعترف بهيئة رئاسة الحزب، والمادة 53 منه تقول أن المؤتمر ينتخب رئيسا للحزب، الذي يعتبر هيئة عليا له طبقا لأحكام المادة31 البند الرابع من القانون الأساسي، أما المادة 54 من نفس القانون فتؤكد أن رئيس الحزب يتولى مهاما طبقا لأحكام المادة 34 من القانون الأساسي، ويتعلق الأمر بالحق في استدعاء مؤتمر الحزب العادي والاستثنائي وترؤسهما، كما يحق لرئيس الحزب وليس لأمينه العام، رئاسة دورات اللجنة المركزية.
كما يمنح النظام الداخلي للحزب للرئيس بوتفليقة، باعتباره الرئيس الشرفي بحسب المادة 49 أن يترأس الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، وفي حالة تعذّر ذلك يترأسها الأمين العام للحزب، في وقت لا يحق لهذا الأخير استدعاء اللجنة المركزية في دورة استثنائية إلا بعد استشارة الرئيس كذلك.
بالوقوف عند هذه الصلاحيات التي تعتبر صلاحيات واسعة جدا، تغطي على صلاحيات الأمين العام، وتجعله مجرد رقم على اليسار غير مؤثر ولا فاعل، تسقط فرضية الرئاسة الشرفية لبوتفليقة للأفلان، وتتأكد بالنص القانوني أن الرئيس بوتفليقة، هو الرئيس الفعلي للحزب العتيد بصلاحيات كاملة وواسعة تجعله يملك ويحكم في الوقت ذاته، وليس مجرد رئيس شرفي يملك ولا يحكم، ممارسة الرئيس بوتفليقة، لصلاحياته كرئيس شرفي للحزب العتيد أعطت مفعولها على الساحة السياسية، ورجّحت الكفة للعتيد عندما استخدمها مرة واحدة، وخرج على النص في خطابه بمناسبة ذكرى مجازر الثامن ماي في سطيف، ودعا الجزائريين للتصويت بقوة عشية الانتخابات التشريعية، متعمّدا أن يذكّر الجميع بإنتمائه السياسي المعروف، وهي الرسالة السياسية التي قرأها بلخادم وخصومه على أنها دعوة للتصويت لصالح الآفلان، إلا أن الوصفة التي أوقفت الصداع الذي أحدثه منافسو الآفلان لديه عشية التشريعيات، يرفض بوتفليقة اعتمادها لعلاج الآلام الداخلية لحزبه، ورغم أن بلخادم لجأ إلى مغازلة الرئيس، بورقة الولاء والمبايعة المسبقة لرئاسيات 2014، إلا أن بلخادم لم يغر الرئيس ولم تجد حيله نفعا، وأخفق على كافة المستويات في إخراجه من “اعتكافه” خاصة بعد أن انقطعت قنوات الاتصال بينهما نهائيا بمغادرته الحكومة.
ليبقى السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا يكتفي الرئيس بوتفليقة، بالملك في الآفلان ويرفض الحكم؟ ولماذا اعتمد عملية القلب المفتوح في تعاطيه مع دورة اللجنة المركزية، مثلما يلجأ الجرّاح لاستخدام ماكينة مكان وظيفة قلب ورئة المريض أثناء إجرائه لهذا النوع من العمليات الجراحية؟ وهل لهذا الأسلوب أن يضمن للرئيس بوتفليقة، داخل الأفلان أو ما يعرف بالجهاز، ما تضمنه عملية القلب المفتوح للجرّاح من ايقاف قلب المريض مع ضمان استمرار ودوام إمداد باقي أجهزة الجسم الحيوية بالدم والأكسيجين، وضمان عدم انقطاع دوران الدم فيها؟