بوركينافاسو.. فخ كروي..
منذ أن أسفرت عملية القرعة عن مواجه بين الجزائر وبوركينافاسو في المباراة الفاصلة المؤهلة إلى مونديال البرازيل والتفاؤل المفرط يخيم على الكثير من الفنيين والإعلاميين وحتى المشجعين والمتتبعين اعتقادا منهم بأن المواجهة ستكون شكلية، وأن المنافس في متناول الخضر والجزائر ضمنت مكانتها في المونديال المقبل بسهولة، ونسي الجميع بأننا لم نصل بعد إلى تكوين منتخب قوي ومتجانس، ولم نستقر بعد على تشكيلة ثابتة بسبب الإصابات والغيابات والتغييرات الاضطرارية المتكررة، ونسينا بأن أغلب لاعبينا صغار في السن ولا يلعبون بانتظام في نواديهم وسيعيشون في مباراة العودة ضغطا رهيبا لم يتعوّدوا عليه من قبل، كما نسينا بأن بوركينافاسو لعبت نهائي كأس أمم إفريقيا الأخيرة، وتأهلت إلى المباراة الفاصلة بجدارة وفرصتها في التأهل لأول مرة إلى النهائيات كبيرة وتكون منطقية ومستحقة لو حدثت.
الكثير من الجزائريين تغلبهم المشاعر والعواطف في مثل هذه المواقف وينسون بأن كرة القدم لعبة، ولا يمكنك الفوز بمباراة كروية قبل أن تلعبها، ولا يمكنك أيضا أن تفوز بالكلام في القنوات الإذاعية والتلفزيونية وعلى صفحات الجرائد دون أدنى اعتبار للمنافس وقدراته وحظوظه هو أيضا لذلك فإن مسؤولية الفنيين والإعلاميين كبيرة لتجنب الوقوع في فخ التفاؤل المفرط والتغليط، ومسؤولية اللاعبين أكبر بعدم التساهل واستصغار المنافس واحتقاره!! .
التفاؤل المفرط بقدراتنا واحتقار المنافس واستصغاره كانت سمتنا من زمان وفي كل الرياضات والمجالات، اعتقادا منا بأننا الأفضل والأحسن، واعتمادا على معطيات تاريخية تجاوزها الزمن رغم أن بوركينافاسو التي نستصغرها كان يعتبرها الكثير منذ عشرة أشهر منتخبا قويا يضربون به المثل عندما لعب نهائي كأس أمم إفريقيا الأخيرة، وخرج منتخبنا آنذاك في الدور الأول ووصف بالمنتخب الضعيف وبأن مدربه خاليلوزيتش فاشل لا يصلح لقيادة الخضر، ومعه لن نذهب بعيدا في تصفيات كأس العالم لأنه استغنى عن اللاعبين القدامى.. ولكن هؤلاء الفلاسفة عادوا اليوم بنغمة أخرى يتحدثون عن قرعة في صالحنا، ومنافس في متناولنا، وعادوا للحديث عن أفضلية لعب مباراة العودة في الجزائر وتوفر خاليلوزيتش على خيارات متعددة في تشكيلته الثرية..
جميل جدا أن نتفاءل خيرا ويثق اللاعبون والطاقم الفني في قدراتهم ويستغلون فرصة الوصول إلى المباراة الفاصلة لتحقيق ثنائية التأهل مرتين متتاليتين إلى المونديال، لكن الأجمل أن لا نكتفي بالمشاركة مثلما فعلنا في المونديال السابق ونكون واقعيين في تحاليلنا وتوقعاتنا ونحترم المنافس وقواعد اللعبة ولا نغرق في التفاؤل حتى لا نقع في فخ وورطة ثم صدمة كروية نحن في غنى عنها في الوقت الراهن في حالة الإقصاء الذي يبقى واردا ويتوقف على تفاصيل فنية بحتة!!
في كرة القدم، قوة المنتخبات لا تقاس بقدرات البلد وتاريخه ورصيده وقوته السياسية والعسكرية والاقتصادية، وإلا لكانت أمريكا هي الأفضل عالميا، وعندما نتحدث عن بوركينافاسو يجب أن نتذكر بأنه لعب نهائي كأس أمم إفريقيا وتأهل في مجموعته التصفوية بجدارة وشبانه شاركوا في مونديال الشباب ولاعبوه يملكون نفس التحفيز المادي والسياسي والاجتماعي لأن بلدهم يمر بظروف صعبة سيتجاوزونها في حالة التأهل إلى البرازيل، لذلك فإن مواجهة بوركينافاسو هي فخ كروي نتمنى أن لا نقع فيه بسبب الإفراط أو التفريط لأننا أيضا بحاجة إلى تأهل ينسينا همومنا..